|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مهند طلال الاخرس
2026 / 2 / 14
كتاب «علم النفس الديني» لسيريل برت، ترجمة سمير عبده، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1985.ويقع الكتاب في نحو 119 صفحة من القطع الكبير.
والكتاب عبارة عن دراسة نفسية تبحث في الجذور الغريزية والانفعالية للظاهرة الدينية، مثل الخوف والعجب، وتحلل التجربة الدينية باستخدام نظريات العقل الباطن، وبالاضافة لذلك فالكتاب يناقش سيكولوجية الصلاة، الشعور، والدين في حياة الفرد. ، بالاضافة الى دور الكتاب في تحليل التجربة الدينية، حيث يعتمد على نظريات علم النفس الحديث لتحليل الظواهر الدينية وفهم سلوك المتدين.
كل ذلك يتناوله الكاتب من خلال محاور الكتاب ومواضيعه الرئيسية: مثل سيكولوجية الصلاة، مفهوم الشعور، وتأثير الدين على النفس بهدف محاولة تفسير العوامل الغامضة في التجربة الدينية من خلال علم النفس.
هذا الكتاب يربط بين الظواهر الدينية والعمليات الذهنية والانفعالات النفسية. حيث يعتمد على نظريات علم النفس الحديث لتحليل الظواهر الدينية وفهم سلوك المتدين.
الكتاب لا يسعى إلى نفي الدين أو إثباته، بل إلى فهمه وهو في هذا المعنى يمثل محاولة مبكرة لتجسير الهوة بين العلم والتجربة الروحية.
وعند قراءة صفحات هذا الكتاب يمكننا عرض محتوياته بشيء من التفصيل عبر استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي والتي تلخص محاور الكتاب بالنقاط الست التالية:
اولا: الإطار العام للكتاب وأهميته:
ينتمي كتاب «علم النفس الديني» إلى مرحلة مبكرة من تشكّل علم النفس بوصفه علماً تجريبياً يسعى إلى دراسة الظواهر الإنسانية بمنهج وضعي منظم. وتكمن أهمية الكتاب في أنه يحاول إدخال الدين – بوصفه خبرة إنسانية معاشة – إلى ميدان التحليل النفسي العلمي، من غير أن ينخرط في تقييم صدقيته اللاهوتية أو الحكم على معتقداته. حيث يرى برت أن الدين ليس مجرد منظومة عقائد، بل حالة نفسية مركبة تتكوّن من انفعالات ودوافع وتمثلات ذهنية وسلوكيات اجتماعية. ومن هنا، فإن دراسته تندرج ضمن علم النفس العام، لكنها تتطلب أدوات خاصة بسبب خصوصية الموضوع وتعقيده.
الكتاب يُعدّ حلقة وصل بين: الاتجاه التطوري الذي يدرس نشأة الفكر الديني، والتحليل النفسي الذي يربط التدين بالبنية اللاواعية، وعلم النفس الاجتماعي الذي يدرس الدين بوصفه ظاهرة جمعية.
ثانياً: التصور النظري للتجربة الدينية
حيث يبحث في الدين بوصفه خبرة وجدانية وينطلق برت من فكرة أن التجربة الدينية في جوهرها وجدانية قبل أن تكون عقلية. فهي تتضمن: الشعور بالرهبة، والإحساس بالانتماء إلى كيان أكبر من الذات. ويربط المؤلف بين هذه الانفعالات وبين الحاجات النفسية الأساسية للإنسان، مثل الحاجة إلى: الأمان، المعنى، الانتماء، تفسير المجهول. والدين هنا ليس وهماً بالضرورة، ولا حقيقة ميتافيزيقية مثبتة؛ بل هو نمط استجابة نفسية لأسئلة الوجود.
ويبحث ايضا في الإدراك الديني كنمط خاص من الإدراك؛ حيث يرى برت أن الإدراك الديني لا يختلف من حيث البنية العامة عن سائر أنماط الإدراك، لكنه يتميز بأنه: إدراك للمعنى لا للمادة، وبانه إدراك للعلاقة الرمزية لا للواقعة الحسية المباشرة. كما يقارن بين التجربة الدينية والتجربة الجمالية؛ فكلتاهما تنطوي على إعادة تنظيم الخبرة الحسية ضمن إطار دلالي يمنحها عمقاً ومعنى.
ثالثاً: نشأة الدين – التحليل التطوري والنفسي
1. نظرية الأنيميزم، حيث يعرض برت نظرية الأنيميزم التي تفسر البدايات الدينية باعتقاد الإنسان البدائي بوجود أرواح في الأشياء. ويربط ذلك بـ:خبرة الأحلام، الموت، الخوف من الظواهر الطبيعية، العجز أمام قوى الطبيعة. غير أن برت لا يقدّم الأنيميزم كتفسير نهائي، بل كمرحلة ضمن تطور أكثر تعقيداً. فهو يؤكد أن نشأة الدين نتاج تفاعل: الخيال، الإدراك المحدود، الحاجة النفسية إلى تفسير المجهول.
2. تطور المعتقد إلى نسق منظم، حيث يوضح الكتاب أن المعتقدات البدائية لم تبقَ فردية، بل تحولت تدريجياً إلى: أساطير، شعائر، أنظمة أخلاقية، مؤسسات دينية. وهنا يبدأ الدين في أداء وظيفة اجتماعية منظمة، تتجاوز الإطار النفسي الفردي.
رابعاً: الدين والعصاب – قراءة نقدية لفرويد
من أبرز فصول الكتاب مناقشة العلاقة بين الدين والعصاب النفسي وذلك عبر طرحين هما:
1. الموقف الفرويدي حيث يعرض برت تصور فرويد الذي يرى أن: الدين امتداد لآليات طفولية، ويقوم على الخوف من السلطة الأبوية، يشبه العصاب الوسواسي من حيث الطقوس والتكرار.
2. موقف برت النقدي : لا يرفض برت التحليل الفرويدي كلياً، لكنه يعتبره تفسيراً جزئياً يختزل الظاهرة الدينية في بُعد مرضي. ويرى أن هناك فارقاً بين:
التدين المرضي القهري، والتدين السوي الذي يمنح الاتزان والمعنى. وبهذا يوازن بين التحليل النفسي وبين الاعتراف بإمكان الوظيفة الإيجابية للدين.
خامساً: الدين كظاهرة اجتماعية
يركز برت على أن الدين لا يعيش في الفراغ، بل في الجماعة. ويتضح ذلك من خلال: 1. الطقوس والمشاركة الوجدانية حيث تقوم الطقوس بتعزيز الهوية الجمعية، وتوحد الانفعالات، وتخلق شعوراً بالتماسك. فالدين هنا يعمل كـ قوة نفسية اجتماعية تنظم السلوك وتمنح الاستمرارية الثقافية.
2. الدين والضبط الأخلاقي حيث يرى المؤلف أن الدين يرسخ المعايير، يضبط السلوك، ويعزز الامتثال من خلال ربط الأخلاق بالمعنى المتجاوز.
سادساً: الوراثة والبيئة حيث يناقش برت مسألة الاستعداد الفطري للتدين. من خلال الاستعداد الوراثي حيث يفترض وجود فروق فردية في الحساسية الروحية واستعدادات انفعالية تسهم في قابلية التجربة الدينية.
ومن خلال دور البيئة لكن هذه الاستعدادات لا تتبلور إلا عبر: التنشئة الاجتماعية، الثقافة، التعليم، الأسرة. وهنا يظهر التدين بوصفه نتاجاً لتفاعل معقد بين: العامل البيولوجي + العامل النفسي + العامل الاجتماعي.
بقي ان نقول ان الكاتب سيريل برت في كتابه هذا «علم النفس الديني» يقدم قراءة علمية للدين بوصفه استجابة نفسية للحاجة إلى المعنى، وخبرة وجدانية عميقة، وبنية إدراكية رمزية، وظاهرة اجتماعية منظمة، ونتاجاً لتفاعل الوراثة والبيئة. والكتاب بهذا المعنى يشكل مدخلا اساسيا لدراسة علم النفس الديني والاسس التي يرتكز عليها.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |