المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى

مظهر محمد صالح
2026 / 2 / 13

الذاكرة التي لا تُرمى في أزمنة الاستهلاك العارم…
زمانٌ مضى، كانت مواعين البورسلين الصيني من أثمن حاجات المنزل ، فالويل والثبور لمن يكسر ذلك الماعون!
بين تأنيب الأم، وتخفيف الوالد بعبارته المتداولة:
«انكسر الشر يا بُنيّ، لا تبتئس»
كنا نجمع الأجزاء المحطمة بعناية، ونحتفظ بما يصلح للترميم.

تمر الأيام، فتتكاثر المواعين المكسورة أمام حرفيٍّ جوّالٍ ماهر، يطرق أبواب مدينتنا، حاملاً عُدّته البسيطة وخبرته العميقة. يبدأ بإصلاح أكبر المواعين، ذاك الذي نسمّيه “البَلَم”، ثم ينتقل إلى الأصغر، حتى ذلك الماعون الذي رُسمت عليه صورة الملك آنذاك.
نعود فرحين، كأننا استعدنا كنزًا ضائعًا ، فقد صار الماعون صالحًا للاستخدام من جديد.

مرت السنوات…وكبر الاستهلاك
صارت المواعين تُكسر بالعشرات دون اكتراث ، لا فرق إن زاد “الشر” أو نقص، على موائد القرن الحادي والعشرين العامرة بالأطعمة.
أما المواعين البلاستيكية، فهي الضحية الأولى ، طريقها المختصر إلى حاوية النفايات، في عصرٍ تراجعت فيه قيمة الأشياء، وتعاظمت فيه وتيرة الاستبدال.

يا للمفارقة…
نخشى انخفاض الطلب على النفط، ولا نخشى ارتفاع جبال النفايات.
نقلق على الأسواق، ولا نقلق على ثقافة الهدر.

العم أبو سعيد، خيّاط المواعين، الذي كان يحمل عدته الحرفية النادرة، ويدور بها بين الأزقة، يفكّر بتكنولوجيا بدائية لكنها عالية الإنتاجية والدقة… غاب هو وأجياله من حرفيي البلاد.
اندثروا كما اندثرت مهنتهم، تحت وطأة أنماط معيشة جديدة، وسرعةٍ لا تمنح الأشياء فرصةً ثانية.

غرقت قطرات عرقهم في عروق الأرض،
علّها تتحول إلى نفطٍ يسهم في صناعة مواعين تُكسر بلا اكتراث.
وربما، يومًا ما، ستكون المواعين رقمية أو من ذكاءٍ اصطناعي،
لكنها ستظل قابلةً للكسر.

لكن المواعين لم تكن تُرمَّم وحدها…
كنا نُرمَّم معها.

كان الكسر يُعلّمنا الاقتصاد في الأشياء،
والصبر على الخسارة،
والإيمان بأن ما يُصلَح لا يُرمى.

في زمن الترميم،
كان الكسر حدثًا عابرًا،
وكان الإصلاح وعدًا بالاستمرار.

أما في زمن الاستبدال،
فالكسر نهاية،
والنهاية عادة.

والخوف ليس على المواعين،
بل على إنسانٍ
صار يرى في كل شيء
قابليةً للرمي.

فالذاكرة وحدها
لا تُرمَّم،
ولا تُستبدل،
ولا ينبغي لها أن تُرمى..
فإن رُمِيَت،
لم يبقَ ما يُصلَح.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي