|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 2 / 13
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
ليس إعلان القصر الكبير وسيدي قاسم وسيدي سليمان “مناطق منكوبة” سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم: الدولة المغربية لا تتحرّك حين يتألم المواطن، بل حين تتضرر مصالح السلطة. وما دون ذلك مجرّد تفاصيل، صور، بيانات تعاطف، ووعود مؤجَّلة.
في الشمال، جرفت الفيضانات البشر قبل الحجر. بيوت انهارت، أرواح فُقدت، قرى عُزلت بالكامل. تطوان، شفشاون، الحسيمة… أسماء حاضرة بقوة في تقارير الصحافة الدولية، وغائبة تماماً عن مرسوم “المنطقة المنكوبة”. لماذا؟ لأن هناك معياراً واحداً غير مكتوب، لكنه يُطبَّق بدقة متناهية: أين توجد ثروة الملك؟
المناطق التي شملها القرار ليست ضحية صدفة جغرافية، بل مركز ثقل فلاحي استراتيجي، يضم مئات الهكتارات من الأراضي المسقية المملوكة لمحمد السادس. هنا يصبح “المنكوب” ليس الإنسان، بل الاستثمار. وتتحوّل الكارثة الطبيعية إلى ذريعة قانونية لضخ المال العام من أجل إنقاذ ممتلكات خاصة.
فلنكن واضحين:
هذا ليس تدبيراً للأزمات، بل تأميماً للخسائر لصالح أعلى هرم في السلطة.
الفضيحة الأكبر ليست فقط في الاختيار الانتقائي، بل في من يدفع الفاتورة. فبدل تفعيل صندوق الكوارث، أو اللجوء إلى الصناديق السيادية التي راكمت مليارات الدراهم باسم “التنمية” و”التضامن”، يتم اللجوء مباشرة إلى الميزانية العامة. أي إلى جيب المواطن الذي لا يملك أرضاً، ولا شركة، ولا حقاً في السؤال.
أما تلك الصناديق، فهي محصّنة، مغلقة، فوق المحاسبة، لا تخضع لرقابة البرلمان ولا للمجلس الأعلى للحسابات إلا شكلياً، لأنها ببساطة ملكية سياسية خالصة. لا تُستَعمل إلا حين يخدم استعمالها من يملك مفاتيحها.
هنا نصل إلى قلب المشكلة:
الملك هو الحكم، والمالك، والمستفيد، والمقرّر الوحيد.
في أي نظام يحترم نفسه، يُعتبر هذا تضارب مصالح صارخاً. في المغرب، يُسمّى “استقراراً”.
في أي دولة حديثة، يُسأل رأس السلطة عن ممتلكاته وكيفية حمايتها بالمال العام. في المغرب، يُمنَع حتى طرح السؤال، ويُصنَّف كـ”مسّ بالمقدسات”.
لكن أي قداسة هذه التي تُنقَذ فيها الحقول وتُدفَن القرى؟
أي شرعية هذه التي تُضخّ فيها الملايير لحماية الملكيات الكبرى، بينما يُترك المواطن لمبادرات الإحسان والجمعيات؟
إن ما جرى ليس خطأً، وليس سوء تقدير، بل سياسة واعية:
سياسة مغربَين.
مغرب يُعلَن منكوباً لأن فيه أراضي نافذة.
ومغرب يُترَك منكوباً لأنه لا يملك سوى سكانه.
هذا القرار يفضح زيف خطاب “الدولة الاجتماعية”، ويكشف أن العدالة المجالية مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي. فالعدالة، حين تُقاس، تُقاس بالقرارات الصعبة، لا بالخطب. وهنا، القرار كان واضحاً: الأرض أهم من الإنسان، إذا كانت تلك الأرض في ملكية الملك.
الكارثة الحقيقية ليست الفيضانات، بل نظامٌ سياسي حوّل الدولة إلى شركة تأمين خاصة، لا تغطّي إلا ممتلكات أصحابها. وما لم يُكسَر هذا المنطق، فإن كل شتاء قادم لن يكون مجرد فصل ممطر، بل اختباراً جديداً لاحتقار المواطن.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |