في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك

البشير عبيد
2026 / 2 / 12

في زمن التيه العربي: أسئلة المعنى والوعي والمصير المشترك

* البشير عبيد

لا يمكن النظر إلى اللحظة العربية الراهنة بوصفها مجرّد تتابع أزمات أو اضطرابات ظرفية، بل بوصفها حالة تاريخية مركّبة، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة، والتاريخ بالوعي، والواقع بالتصوّر. نحن إزاء زمن لا تتحدد ملامحه فقط بما ينتجه من وقائع، بل بما يكشفه من عجز عن الفهم، ومن ارتباك في تفسير الذات والعالم. هنا، لا تصبح العاصفة استعارة بلاغية عابرة، بل إطارًا ذهنيًا عامًا، نرى من خلاله الأشياء، ونفكّر داخله، ونقيس به قدرتنا على الاستمرار والمعنى.
ما يلفت الانتباه في هذا السياق ليس كثافة الخطاب بقدر ما هو هشاشته المعرفية. الأسئلة تُطرح بكثرة، لكنها نادرًا ما تُستكمل. المفاهيم تتردّد، لكنها لا تُفكَّك ولا تُراجع. اللغة حاضرة بكثافة، غير أنّ المعنى يتآكل تحت وطأة التكرار والاستعمال الاستهلاكي. وهنا يبرز السؤال الإشكالي المركزي: هل نعيش أزمة وقائع، أم أزمة وعي بكيفية إدراك هذه الوقائع وتأويلها؟ وهل ما نعانيه هو انسداد في السياسة وحدها، أم انسداد أعمق في الخيال التاريخي، وفي القدرة على إنتاج معنى جامع يتجاوز اللحظة؟

العاصفة كزمن طويل لا كلحظة طارئة

حين تتوالى الأزمات دون أن تُنتج وعيًا جديدًا، تتحوّل من أحداث استثنائية إلى بنية زمنية ممتدّة. لا يعود الانهيار مفاجئًا، ولا الصدمة محفّزة للتفكير، بل يصبح الاضطراب حالة شبه طبيعية، ويتحوّل الاستثناء إلى قاعدة غير معلنة. في مثل هذا السياق، تفقد المفاهيم قدرتها على الإضاءة، وتتحوّل اللغة إلى أداة توصيف عاجزة عن النفاذ إلى العمق، فيما يتراجع التفكير التحليلي أمام ضغط اللحظة وإلحاح الحدث.
العاصفة، بهذا المعنى، ليست فقط ما يقع في الواقع، بل ما يقع في الذهن أيضًا. إنها لحظة يُصاب فيها التفكير بالتشظي، ويعجز عن الربط بين الأسباب والنتائج، وبين الماضي والحاضر، وبين التجربة والمعرفة. لقد جرى التعامل مع التاريخ العربي الحديث في كثير من الأحيان بوصفه سلسلة من الإخفاقات المنفصلة، لا بوصفه مسارًا متصلًا له منطقه الداخلي، وتحولاته، وتناقضاته. وبهذا، ضاع البعد التراكمي للتجربة، وحلّ مكانه وعي مناسباتي لا يرى إلا اللحظة، ولا يفكّر إلا تحت ضغطها.
السؤال الإشكالي هنا لا يتعلّق فقط بتوصيف الأزمة، بل بطريقة التفكير فيها: هل نمتلك تصورًا تاريخيًا متماسكًا لما نعيشه، أم أننا نتحرّك داخل زمن بلا ذاكرة تحليلية، نعيد فيه الأخطاء نفسها بأسماء جديدة، وبالآليات ذاتها؟

مأزق الوعي: حين تفقد الأسئلة وظيفتها المعرفية

أحد أخطر تجليات العاصفة يتمثّل في ما أصاب الوعي العربي من إنهاك وتآكل. لم يعد الوعي فضاءً مفتوحًا للتفكير الحر، بل أصبح في كثير من الأحيان ميدانًا لتنازع يقينيات متقابلة، كلّ منها يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، ويُقصي ما عداها. في هذا المناخ، تفقد الأسئلة براءتها المعرفية، وتتحوّل من أدوات كشف إلى أدوات تموضع، أو إلى شعارات مضمَرة تحمل أجوبتها سلفًا.
لقد تراجع السؤال بوصفه مغامرة فكرية، لصالح خطاب يطمئن أكثر مما يفسّر، ويكرّر أكثر مما يكتشف. وغالبًا ما يُنظر إلى الشكّ باعتباره تهديدًا، وإلى التعقيد بوصفه عجزًا عن الحسم. هكذا، يُصاب الوعي بالانغلاق، ويفقد قدرته على التمييز بين ما هو بنيوي وما هو عارض، وبين ما هو تاريخي وما هو ظرفي.
المشكلة هنا ليست في غياب النقاش، بل في تسطّحه المعرفي. كثير من الحوارات السائدة تعيد إنتاج الأسئلة ذاتها، باللغة ذاتها، وبالنتائج ذاتها، دون أن تجرؤ على مساءلة المسلّمات التي تنطلق منها. وهنا يصبح السؤال الإشكالي ضرورة لا ترفًا: هل نملك وعيًا نقديًا قادرًا على تفكيك ذاته، أم أننا نكتفي بتجاور مواقف لا تلتقي عند أفق معرفي مشترك؟

تفكّك المعنى بين الأمة والتاريخ والهوية

من أكثر المفاهيم التي أصابها الإنهاك في زمن العاصفة مفهوم “الأمة”. لم يعد هذا المفهوم إطارًا جامعًا للتجربة التاريخية الحيّة، بل تحوّل في كثير من السياقات إلى رمز عاطفي، أو إلى مرجعية انتقائية يُستدعى منها ما يخدم اللحظة، ويُهمَل منها ما يربك السردية السائدة. هكذا، جرى فصل الأمة عن تاريخها الحي، وتحويلها إلى صورة ذهنية جامدة، لا تُنتج وعيًا بقدر ما تُنتج حنينًا أو شعورًا دائمًا بالفقد.
العلاقة بين الأمة والتاريخ لم تُفكَّر غالبًا بوصفها علاقة نقدية، بل بوصفها علاقة تمجيد أو إنكار. إمّا ماضٍ مثالي يُستدعى بلا مساءلة، أو تاريخ يُدان جملةً ويُحمَّل مسؤولية الحاضر. في الحالتين، يغيب التفكير التاريخي بوصفه أداة للفهم، ويحلّ محلّه خطاب وجداني لا ينتج معرفة، ولا يساعد على تجاوز المأزق.
السؤال هنا ليس عن الماضي في ذاته، بل عن طريقة قراءته وتأويله: كيف يمكن لأمة أن تتقدّم، وهي لم تحسم بعد علاقتها بتاريخها، ولم تتعامل معه باعتباره تجربة بشرية مركّبة، فيها الإنجاز كما فيها الإخفاق، وفيها الدروس كما فيها الأخطاء؟.

اللغة والمفاهيم: حين يتقدّم اللفظ ويتراجع المعنى

لا تقلّ أزمة اللغة خطورة عن أزمة الوعي، فاللغة ليست أداة محايدة، بل الحاضنة الأولى للفكر، ومرآة لطريقة إدراك الواقع. في زمن العاصفة، تتعرّض اللغة إلى استهلاك مفرط، فتتآكل المفاهيم من كثرة التداول، وتفقد الكلمات قدرتها على الإشارة الدقيقة. تُستعمل المصطلحات الكبرى بلا تدقيق، وتُحمَّل بأكثر مما تحتمل، أو تُفرَّغ من مضمونها النقدي.
حين تفقد المفاهيم صرامتها، يصبح الحوار مستحيلًا، لأن الأطراف لا تتجادل حول أفكار، بل حول ألفاظ متشابهة بمعانٍ مختلفة. وهنا تتعمّق القطيعة المعرفية، ويتحوّل النقاش إلى جدل دائري لا ينتج معرفة ولا يفتح أفقًا. إن أزمة اللغة هي في جوهرها أزمة تفكير، لأن الفكر لا يمكن أن يتجاوز حدود اللغة التي يفكّر بها.
السؤال الإشكالي في هذا السياق هو: هل نمتلك اليوم لغة قادرة على حمل تعقيد تجربتنا التاريخية، أم أننا أسرى معجم مستهلك يعيد إنتاج العجز نفسه؟

سؤال الإمكان: التفكير كفعل إنقاذ للمعنى

في قلب هذا المشهد المربك، لا يبدو سؤال الإمكان سؤالًا عمليًا مباشرًا، بل سؤالًا فكريًا بالأساس. الإمكان لا يبدأ من المشاريع الكبرى، بل من استعادة القدرة على التفكير خارج القوالب الجاهزة، وعلى طرح الأسئلة التي لا تبحث عن إجابات سريعة، بل عن مسارات فهم أعمق وأكثر صبرًا.
التفكير، في زمن العاصفة، ليس ترفًا ثقافيًا، بل فعل مقاومة ضد التبسيط، وضد اختزال الواقع في ثنائيات مريحة. إنه محاولة لإنقاذ المعنى من التآكل، وإعادة الاعتبار للوعي بوصفه شرطًا لأي تحوّل تاريخي. لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يقوم على أرضية معرفية هشة، أو على وعي خائف من الشك، أو على لغة عاجزة عن التعبير.
ربما لا نملك اليوم أجوبة حاسمة، لكننا نملك ما هو أثمن: القدرة على إعادة فتح الأسئلة. والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا، لا بحثًا عن طمأنينة زائفة، بل عن أفق تفكير جديد: هل نريد فهم العاصفة، أم الاكتفاء بالتكيّف معها؟ وهل ما زال لدينا الاستعداد للدفاع عن المعنى بوصفه شرطًا للنجاة، لا مجرد ترف فكري؟

* كانب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي /الصهيوني.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي