أفكارٌ بسيطةٌ غير مُلزمة لأحد .. ( 84 )

زكريا كردي
2026 / 2 / 11

----------------------------
تدور حول النفعية السياسية في العلاقات الدولية:
التي تراوح بين الذكاء والمغامرة
بالنسبة لي ، فإن فهمي البسيط لتاريخ العلاقات الدولية، يكشف لي عن أن القوى العظمى، لا تتحرك وفق اعتبارات أخلاقية ، بقدر ما تتحرك وفق حسابات المصالح..
و في خضم هذا الحيز الضيق للفهم السياسي عندي ، استطيع الجزم ، في ان يسمى بـ " البراغماتية السياسية" ، هو المنهج الثابت ، في تعامل الدول الكبرى مع الجماعات الأيديولوجية ، بما فيها الحركات الأصولية الدينية ..
و اعتقد ، انه حين تتقاطع مصالح هذه القوى مع نفوذ جماعات محلية ، تصبح هذه الأخيرة ، مجرد أدوات محتملة في لعبة النفوذ العالمي ..
وكلنا رأينا كيف شهد القرن العشرين أمثلة واضحة على توظيف القوى الكبرى للحركات الأصولية في صراعاتها.
وأبرز هذه الأمثلة، ما حدث خلال الحرب الباردة، حين دعمت قوى دولية غربية مجموعات ارهابية جهادية اسلامية مسلحة ، ذات طابع اصولي ديني لمواجهة خصومها في المعسكر الاشتراكي ..
بالطبع ، نحن ندرك ان هذا الاستخدام لم يكن نابعاً من توافق فكري بين الغرب والاصولية الاسلامية ، بل كان من منطق براغماتي بحت :
او من مبدأ : “عدو عدوي صديقي”.
لكن لا ننس ، إن هذا النمط من التفكير السياسي، يجعل من الجماعات الأصولية، رغم اختلافها الجذري مع قيم القوى الكبرى، جزءاً من أدوات الضغط والتأثير على مصير شعوبها والعالم ..
لكون هذه الجماعات - الاسلامية بالذات - تمتلك بما لديها من فكر وتاريخ وتراث ديني - قدرة هائلة على التحشيد للغوغاء المؤمن لديها..
والاهم ، انها تعمل خارج الأطر التقليدية للدول المتحضرة، مما يجعلها أداة سهلة القيادة ، مفيدة وفعالة في الصراعات غير المباشرة..
عملاً بمبدأ " دع هؤلاء الاوباش يتصرفون نيابة عنا "
طبعا ، هذه رؤية سياسية براغماتية صريحة ، و ذكية ، تقوم على منطق " المصالح فوق المبادئ" ..
لكن - انا اعتقد - ان هذه البراغماتية / لا تعني بالضرورة ذكاءً سياسياً ، بقدر ما تعني تفضيل النتائج على المبادئ..
بمعنى ان القوى الكبرى قد تتغاضى - مؤقتاً - عن الطبيعة الاجرامية والافكار الهمجية لهذه الجماعات - الاسلامية مثلا - ، لطالما هي تخدم هدفاً استراتيجياً أكبر..
و للاسف الشديد ، التجارب أثبتت أن مثل هذا النوع من التوظيف النفعي المحض، قد يحمل مخاطر ارتدادية، إذ تتحول الجماعات المدعومة لاحقاً، إلى مصادر تهديد غير متوقعة..
تماما كما حصل مع الجماعات الارهابية الاصولية لـ ابن لادن في ١١ سبتمبر..
المهم في تقديري هنا ، هو التنبيه الى ان الفهم إن البراغماتية الجيوسياسية للقوى العطمى اليوم ، لم تختلف أدواتها ، رغم تغير طبيعة الصراعات ، و لا تزال تنظر إلى الجماعات الأيديولوجية كـ( الاصولية الاسلامية وغيرها )، كأوراق عمياء قوية ، يمكن استخدامها في سياقات استراتيجية معينة ، مثل الصراع القادم - المحتوم في زعمي - مع العملاق الصيني ..
قصارى القول :
ان استغلال الدول العظمى للأصوليات الدينية ( داعش القاعدة .. الخ ) في الصراعات الدولية ليس ظاهرة جديدة، بل هو امتداد لمنطق براغماتي ناشط ، ومنهج سياسي فعال، يرى في كل مؤثر ، او فاعل في الواقع - مهما كان توجهه الفكري - أداةً محتملة لتحقيق منافع أومكاسب سياسية ..
لكن اعتقد ان هذا النهج المغامر ، رغم فعاليته قصيرة المدى، قد أثبت أنه يحمل كلفة اخلاقية وانسانية عالية ، ليس على الحضارة الانسانية، والاستقرار العالمي فقط ، بل ايضا على الشعوب المسكينة، المتأخرة الغافلة بالايمان ، التي تجد نفسها فجأة ، وقوداً لصراعات لا علاقة لها بمصالحها الحقيقية..
وكم آمل ان يُدرك هذا العالم يوماً ، أن دعم الأصوليات بعامة ، والاسلامية خاصة ، قد يفتح أبواباً شريرة ، تأتي بدمار حضاري وانساني على البشرية ، ربما يصعب إغلاقها لاحقاً ، دون هلاك اجيال كثيرة، وموت صاخب و مؤلم ..
الحمد لله على نعمة العقل
zakariakurdi

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر