ما زال هناك انفلات امني في العراق

محمد رضا عباس
2026 / 2 / 10

انتهى تنظيم داعش عسكريا في العراق , ولكن العناصر الخارجة عن القانون ما زالوا يزرعون الرعب في الشارع العراقي . هناك سلاح كثير جدا عند العشائر وعند انصار الأحزاب السياسية , وهناك نظام سياسي لا يؤمن باستخدام العنف ضد مواطنيه , وهناك جهل بمعنى الديمقراطية , وهناك بطالة بين اشباب . كل هذه العناصر تؤدي الى خرق القانون و تعرض حياة المواطنين الأبرياء الى القتل او العاهات .
في يوم واحد , 7 شباط وهو يوم كان من المفروض بالعراقيين يستذكرون فاجعة اسقاط حكومة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم يوم 8 شباط 1963 , ومجيء حكومة شوفنيه وطائفية تسلطت على رقاب العباد والبلاد , ظهرت أربعة اخبار مؤسفة أدت الى وفاة عدد من المواطنين بسبب تواجد السلاح في البيت او في مقر حزبي او في مضيف لاحد الشيوخ . كان الخبر الأول ومن مصدر امني بمقتل موظف في مجلس النواب اثر تعرضه لأطلاق نار ناجم عن رصاصة طائشة خلال حفل زفاف في احد مناطق بغداد. واعلن مصدر امني ان 5 لشخاص أصيبوا بجراح متفاوتة , احدهم بحالة حرجة , اثر هجوم مسلح نفذه 30 شخصا ضد 5 شبان كانوا يجلسون داخل مقهى في المدينة المائية , وقد استخدم المهاجمون النار باستخدام المسدسات والكلاشنكوف قبل ان يلوذوا بالفرار.
وأعلنت وزارة الداخلية استشهاد ضابط و مفوض في شرطة كربلاء خلال تنفيذ امر قبض قضائي بحق احد المطلوبين , الا ان المتهم واخاه اقدما على فتح النار على القوة الأمنية . وفي بغداد القت قيادة عمليات بغداد القبض على ثلاثة متهمين اقدموا على تنفيذ جريمة " الدكة العشائرية" في جانب الرصافة . وفي البصرة افاد مصدر امني بمقتل شخصين واصابة ثلاثة اخرين جراء نزاع عشائري اندلع في منطقة خميسة بقضاء عز الدين سليم شمال المحافظة , وأوضح المصدر ان مجموعة مسلحة هاجمت عددا من المنازل في المنطقة على خلفية خلاف عشائري . وفي البصرة أيضا, افاد مصدر امني , بقيام مجموعة مسلحة بمهاجمة مسجد الشيخ مجتبى في قضاء المدينة بمحافظة البصرة ما اسفر عن استشهاد شخصين واصابة خمسة اخرين . وقال المصدر ان " المسجد تابع لاحد زعماء الطائفة الشيخية في قضاء المدينة".
كل هذا القتل والترويع ظهر في يوم واحد , يوم 7 شباط , وكان الحالة الجوية التي انتقلت من برد قارص الى جو الربيع قد ضرب عقولهم , فاصبحوا يحتفلون بالعيارات النارية ضاربين بعرض الحائط القانون و حياة المواطنين . الجرائم في هذا اليوم تنوعت ولكن كلها تلتقي بالقتل العمد . حتى ان موظف البرلمان المقتول في حفل الزواج جاء بسبب الاستهتار باستخدام السلاح , ولو لم يكن هناك اطلاق نار لما قتل هذا المواطن .ما مصير ذويه بعد موته , زوجته ؟ اطفاله؟ , ولماذا تسمح الدولة بإقامة هكذا حفلات بدون إجازة , خاصة وان مقتل مواطن في حفل عرس او تشييع متوفي قد كثرت . قد نفهم سبب اطلاق العيارات النارية عند تشييع متوفي , ولكن لا نفهم سبب ظهور حالة جديدة هذه الأيام , وهي اطلاق النار عند مشاركة رئيس عشيرة في مجالس الفاتحة أيضا . أي يستقبلون رئيس العشيرة بالإطلاقات النارية . لم يتجرا احد من هؤلاء بأطلاق صجم بندقية أطفال في عهد الديكتاتور صدام حسين الذي استخدم القسوة ضد هذه العادة .
ولماذا ظهرت وانتشرت ظاهرة " الدكه العشائرية" ؟ شخصيا لاحظت في احد زياراتي الى العراق عبارة " مطلوب عشائرا " على جدار بناية حضانة الأطفال , ولاحظت مرة أخرى عبارة " مطلوب عشائرا" على جدار احد المقابر في النجف . وقد قرات مرة ان احد العشائر في الجنوب طالبت احد الشركات الأجنبية بالدكه العشائرية. صدقوني لا يمكن للبلد ان يتقدم مع وجود " الدكه العشائرية" . غدا أبناء العشائر هم الذين يقرروا أي شركة استثمارية تعمل قربهم وأخرى لا يقبلونها , حسب حجم الرشوة . الشركات العالمية لا تبحث عن الربح فقط , وانما تدرس عادات وتقاليد الشعوب , لا يوجد صاحب رأسمال يريد ان يرى ابنه مقتولا على يد أبناء عشيرة او مجموعة من الشبان يحملون السلاح ضد عمالهم.
النزاعات العشائرية و مخالفات القانون يجب ان لا تحل تحت خيمة او سرداق او مضيف او جامع , وانما في ابنية المحاكم . حل المشاكل في المحاكم ينهي دور العشائر ويعزز من قوة الدولة ويجعلها اكثر احتراما امام مواطنيها . عندما يطبق القانون سوف لن تستطع مجموعة من الشبان بترويع منطقة او حي كامل . هؤلاء ليس فقد يختطفون امن مناطقهم وانما يخطفون سمعة البلد وعلى المشرع العراقي استخدام اقسى العقوبات ضدهم .
السلاح المنفلت اصبح لا يفرق بين ملهى ومسجد . ففي الوقت الذي ندين أي تعدى على اي مرفق ترفيهي طالما وانه يحمل إجازة حكومية , فان ادانتنا لهجوم مسلح على مسجد يتعبد الناس فيه يكون اعظم . انه يدفعنا الى الحزن و التقزز والاستياء خاصة وان دماء ضحايا التفجير الإرهابي والذي ذهب ضحيته اكثر من 200 شخص في باكستان لم تجف بعد.
لماذا هذا الهجوم ؟ من هو وراءه؟ وما هو هدفه ؟ وما هي الإجراءات الحكومية لمنع تكرارها مرة أخرى ؟ نحن نعلم ان الطائفة الشيخية طائفة شيعية , تختلف قليلا مع التوجه العام لمرجعية النجف , ولكن لم نسمع في التاريخ الحديث او القديم ان هجوما مسلحا وقع على هذا المكون الإسلامي المسالم .
على كل حال , ليس جميع اخبار العراق محزنة او سيئة , فهنالك اشعاع يتحدر وفي يوم من الأيام يغطي هذا الاشعاع جميع ارض العراق . هناك حالات إنسانية تظهر كل يوم . هضم النظام الديمقراطي وفهم معانيه ليس سهلا وسريعا .انه يحتاج الى وقت وتربية مجتمعية . أي كلما زادت ثقافة المجتمع قلة رغبت امتلاك السلاح , وكلما تحمل القضاء واجباته كلما قلة الحاجة للعشيرة , وكلما زاد الامن قوة كلما زاد ايمان المواطن بالأجهزة الأمنية في اخذ حقوقه . هذا مع العلم ان معدلات الجريمة في العراق قد انخفضت لعام 2024 و 2025 . ففي عام 2025 احتل العراق موقع 58 من اصل 148 دولة شملها مؤشر الجريمة العالمي بدرجة 41.9 جريمة لكل 100 الف , في المقابل 58.1 نسبة الأمان , وهو في ذلك يكون في المستوى المتوسط حيث تحسن ب 22 مرتبة على المستوى العالمي , وسجل انخفاضا بمقدار 2.8 نقطة في مؤشر الجريمة , وزيادة بمقدار 2.8 نقطة في مؤشر الأمان. من حق السيد وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري الاحتفال بنجاحه , حيث ان جهوده في حماية الامن العراقي قد اثمرت بحماية الالاف من أرواح العراقيين.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر