|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2026 / 2 / 7
غاب رجل الاقتصاد، لا كما يغيب الآخرون، بل كما تغيب الأشياء التي اعتدنا حضورها حتى حسبناها جزءًا من الزمن نفسه. غاب فائق علي عبد الرسول، وبغيابه انطفأ مصباحٌ هادئ كان يضيء بلا ضجيج، ويعمل بلا ادّعاء، ويمنح المعنى دون أن يطلب مقابلًا.
غيّبته الأيام، رجلٌ أحبّه الله وأحبّه الناس. وكنتُ أحد المحظوظين الذين عملوا معه في مقتبل العمر الاقتصادي، متعايشًا مع مدرسةٍ حملت دفءَ التجربة الأكاديمية من أميركا الشمالية إلى ممرّات أقسام الأبحاث في البنك المركزي العراقي، حيث كانت الأرقام تُقرأ بضميرٍ قبل أن تُدوَّن في الجداول.
كنّا نفرح لفرحه كأنه فرحنا، ونحزن لحزنه الطويل، ذاك الذي كان يلوّنه حنينه لأطفاله في سبعينيات القرن الماضي. كان رجلًا يجمع بساطة العيش بصرامة الإخلاص في العمل، ويوازن بين النكتة الجميلة والوفاء للأصدقاء دون كللٍ أو ملل.
مثّل البلاد قرابة نصف قرن في المحافل الاقتصادية الدولية، وكان مقياسًا للقوة التكنوقراطية الرصينة ، تلك التي تعرف مداخل الخطر ومخارج التفاؤل، وتؤمن بأن التقدّم يُبنى بالصبر لا بالضجيج. كنّا نجلس سويّة في مطعمٍ بغدادي صغير، نمشي طويلًا على أقدامنا، ونتحدّث عن العراق كما يُتحدّث عن حبيبٍ عنيد: عن أحلامه، وضغوط الحياة، وفرص المستقبل التي لا تموت.
كان حاضرًا بين الجميع، حتى في لحظات الغضب ، تعلوه ابتسامة تُجلي الهموم، وتطفئ فورات الغضب الشرقي التي ورثناها في جينات العروق، بهدوءٍ ييسّر الحياة أمامنا. يعلّمك دون أن يُلقي درسًا: بساطة القلب، نزاهة اليد، وقوة العقل حين تتصالح مع الأخلاق. كان يجمع الأصالة البغدادية بضمير الوطن كله.
كانت المكتبة ميدان العمل. أذكر حادثةً في سبعينيات القرن الماضي، قال لي فيها:
«تعال معي أيها الشاب لنحلّ مشكلة في الريع النفطي».
سألته: «وما المشكلة؟»
قال: «كتابٌ رسمي عاجل يطلب أرقام الصادرات النفطية… رقمٌ محرّم التداول، لا يُقال ولا يُكتب، ولا يعلمه إلا اثنان وقت ذاك في وادي الرافدين… أو وادي النفط من ذوي القبضة الحديدية السياسية ».
وقفتُ حائرًا، ولم أفهم سوى ابتسامته. قلت: «وكيف نُكمل تقديرات خطة التنمية المزمع إعدادها آنذاك، وهي لا يُسمح لها بمعرفة قيمة الصادرات، مع اشتراط الاعتماد على مصادر رقمية من خارج القبضة الحديدية لمحتكري الرقم النفطي والتصرّف بأمواله؟».
قال بهدوء: «لنذهب إلى منشورات الأوبك في مكتبة البنك المركزي».
قلبنا الجداول كما يُقلب أرشيفُ الذاكرة، وقال:
«اكتب هذه السلسلة الرقمية وتوقّعاتها من نشرة الأوبك بالإنكليزية، وحوّلها إلى العربية، واجعلها كتابًا رسميًا… ولا تنسَ عبارة : سري للغاية».
ضحكتُ وقلت: «وما قيمة هذا الكتمان ونحن نستقي الأرقام من مجلة الأوبك؟».
ابتسم وقال: «في بيئةٍ كهذه، تُخفى الحقيقة لا لأنها سرّ، بل لأنها مكشوفة أكثر مما ينبغي. أرقامٌ متاحة للعالم، لكنها غير متاحة لشعبٍ يصرف ويستهلك دون أن يعلم كيف يتدفّق نفطه، ولمن يُباع، وكم يُصدَّر. إنها قدسيةٌ زائفة، يصبح الإفصاح عنها مشكلة في عالمٍ يلفّه الضحك السياسي على الذقون».
تباعدت بنا الأيام، كما تفعل دائمًا. وحين بلغني خبر رحيله، شعرتُ أن فصلًا كاملًا من حياتي أُغلق بهدوء. ذهبتُ اليوم إلى مجلس العزاء، أقرأ الفاتحة، وأحمل في قلبي أكثر من دمعةٍ ثقيلة ، لرجلٍ من فرسان الاقتصاد، ولبلدٍ أنهكته الحروب يوم عملنا سويةً، وسُرقت منه الحقيقة أكثر مما سُرق منه النفط.
يرحل الرجال الصادقون واحدًا تلو الآخر، كأنهم يستعجلون سلامًا أبديًا في سماءٍ لا تعرف صراعات الأرقام، ولا ضجيج السياسة، ولا قدسية الوهم. ويبقى أثرهم هنا… في الذاكرة، وفي القلب، وفي كل محاولةٍ صادقة لبناء وطنٍ يشبه أحلامهم.