|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

زكريا كردي
2026 / 2 / 6
-----------------------------
في تصوري ، هناك لحظات في تاريخ المجتمعات البشرية ، تُصبح فيها الكلمات نفسها شاهدة على الخيانة..
خيانة الطفولة ، وخيانة البراءة ، و حتى خيانة المبادئ الأولى للأخلاق السامية، التي وُجدت لحماية الإنسان، لا لتبرير سحقه أو الاعتداء عليه..
لهذا أقول : في كل مرة تُنتزع طفلة من عالم اللعب إلى عالم الفراش ، أو تُدفع إلى علاقة ، أو “زواج” لا تفهم معناه، يحدث شيء أعمق وأسوأ منْ مجرد خطأ اجتماعي . .
في تصوري ، يحدث انهيارا في ميزان العدالة و نماء الوعي للإنسانية ككل ، و هو الميزان الذي يفترض فيه، أن يميّز بين القوي والضعيف ، بين الراشد والطفل الذي لم يكتمل وعيه بعد..
قد يُقول قائل : إن العرف والعادات تجيز ذلك، وإنّ الدّين بنصوصه المقدسة، وسيرة بعض شخوصه المؤسسة، يشجع ويحمد أو يبارك هذا ، أو إن المجتمع “يعرف مصلحتها” وهو يحميها من نفسها.. و و و ..الخ
لكن الحقيقة البسيطة ، التي لا تحتاج إلى فلسفة معقدة ، هي أن هذه الطفلة المسكينة، لا تملك الوعي الناضج ، ولا القدرة على الاختيار..
وأن كل علاقة تُفرض على من " لا يستطيع أن يختار" هي ظلم واستغلال ، مهما غُلّفت بعبارات الطهر أو النية الحسنة.
كل الفلاسفة تقريباً ، أو المفكرين العظماء (من كانط إلى أرسطو ) اتفقوا على مبدأ أخلاقي واحد :
" لا يجوز استخدام الإنسان كوسيلة لرغبة أحد من البشر" مهما كان عظيماً أو ذا سلطة قوياً ، أو حتى مقدساً.
فكيف إذا كان هذا الإنسان طفلة، لم تتشكل لغتها الداخلية بعد، ولم تعرف معنى جسدها، أو حدودها، أو حتى حقها في فهم معنى القبول والرفض..؟؟
في تقديري ، إن جريمة تزويج القاصرات، أو اغتصابهن والاعتداء عليهن، ليست “مسألة ثقافية” ، ولا اختلافا في التقاليد الاجتماعية والدينية، ..
إنه ببساطة نزعٌ بغيض للكرامة الانسانية ، وقطعٌ دنيء وظالم ، لمسار النمو الطبيعي للطفولة، وتشويهٌ خسيس لوعي سيكبر لاحقاً ، وهو -بلا شك - سيحمل ندوباً نفسية خطيرة لا تُرى ..
وأنا ازعم أن المجتمع الذي يسمح بذلك، لا يحمي قيمه، أو يطبق شرعته الموروثة، بل يعلن إفلاسه الأخلاقي والانساني..
والفكر التنويري الذي يفضحه و يرفضه، هو لا يتمرّد على فكر وتاريخ ممارسات الدين الخاطئة، أو العرف الفاسد فحسب، بل يعود بالوعي إلى جوهر الانسانية الأول :
ألا وهو " حماية الإنسان وكرامته " ، لا تبرير إيذائه ، أو اغتصابه واستخدامه كأداة متعة ، تحت أية حجة أو شريعة أو ذريعة ..
قصارى القول :
الطفلة هي إنسانة ، وليست مشروع زوجة، ولا جسدا مباحا لأحد ، بمجرد أن تطيق الوطء (كما صرح احد شيوخ الجهل المقدس ) ولا ورقة تُسوّى بها خلافات العائلات كما حدث - ومازال يحدث - في المجتمعات القبلية المتخلفة..
الطفلة هي إنسانة ، ذات حقٌّ كامل ، وكيانٌ في طور التفتح، وأمانة لا يملك أحد أن يعبث بها ، وحين نقول إن الاعتداء عليها جريمة، فنحن هنا ، لا نطلق حكما قانونيا فقط ، بل نعلن موقفا إنسانياً أخلاقيا ووجودياً ..
مفاده : أن بناء الإنسان يبدأ من طفولته، وأن من يعتدي على البداية يفسد كل ما يأتي بعدها.
الحمد لله على نعمة العقل
zakariakurd
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |