الحدود على صفيح ساخن: الجزائر تتحرك والمغرب يواجه الطوارئ

فريد بوكاس
2026 / 2 / 6

ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

في بداية فبراير 2026، تصاعدت حدة التوترات عند الحدود المغربية الجزائرية، لاسيما في منطقة إيش بإقليم فكيك قرب فجيج، حيث أفادت مصادر أمنية مغربية بأن عناصر من الجيش الجزائري اقتحمت أراضٍ مغربية ووضعوا علامات حدودية ميدانية، ما استدعى تحرك وحدات الجيش المغربي لمنع استمرار هذا التوغل .

التحرك الجزائري جاء في وقت يعرف فيه المغرب حالة طوارئ وطنية بسبب فيضانات واسعة النطاق تسببت في خسائر جسيمة، ما أثار تساؤلات سياسية حول توقيت هذه التحركات ومدى ارتباطها بإدراك الجزائر أن الانشغال الداخلي للرباط قد يشكل “نافذة” لمزيد من الضغط على الحدود. بينما تؤكد الرباط أنها ترفض أي تصعيد وترجح الحوار “لغة العقل والمنطق”، معتبرة أن التحركات تشكل خرقًا للاتفاقيات الدولية القائمة .
________________________________________

اتفاقية 1972: الإطار القانوني ونقاط الخلاف

يرجع النزاع الحدودي بين الجزائر والمغرب إلى عقود مضت، وجزء منه يتصل باتفاقية ترسيم الحدود الموقّعة في 15 يونيو 1972 في الرباط بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين، والتي صادقت عليها الجزائر في عام 1972، ونشرها الجانب الجزائري في الجريدة الرسمية سنة 1973، بينما صادق المغرب عليها بعد عشرين عامًا في 22 يونيو 1992.

إحدى البنود الأساسية لهذا الاتفاق، الذي مثل خروجًا عن النزاع العسكري الذي عرف “حرب الرمال” عام 1963 بين البلدين، كانت الاستغلال المشترك لمنجم حديد غار جبيلات وإنشاء شركة جزائرية-مغربية للاستثمار فيه وتقاسم عائداته .
لكن الصورة القانونية للاتفاقية ظلت غامضة في المغرب: فهي لم تُعرض على البرلمان المغربي للمصادقة عليها وفق الأصول الدستورية، ما يجعل بعض الخبراء والشركاء القانونيين يرون أنها لم تنل “القوة التشريعية الوطنية” الكاملة، رغم أن الحكومة المغربية صادقت عليها من الناحية التنفيذية.
________________________________________

موجة الاتهامات: خرق الاتفاق واستغلال منجم غار جبيلات

في السنوات الأخيرة أثارت تصريحات ومسؤولين مغاربة جدلًا واسعًا بعد إعلان الجزائر البدء في استغلال منجم غار جبيلات من جانب واحد، بدعم شركات صينية، من دون إشراك الشريك المغربي، وهو ما يُنظر إليه كـ”خرق صريح” للبند المتعلق بالتشغيل المشترك.
الجانب الجزائري، في المقابل، يرى أن المكان داخل سيادته ويمارس حقه القانوني في استغلال ثرواته، ويشير إلى أن المغرب لم يسجل التصديق على الاتفاقية لدى الأمم المتحدة، وهي نقطة خلاف جوهرية تثير السؤال حول مدى نفاذ الاتفاق في حال عدم تقديمه عند الأمانة العامة للأمم المتحدة. (
من الجانب المغربي، يستند النقد في الغالب إلى أن الاتفاق ينص صراحة على شراكة متساوية في استغلال المنجم وتقاسم عوائده، وأن أي استغلال أحادي قد يفتح الباب أمام مطالبات بإعادة ترسيم الحدود من نقطة الصفر أو إعادة النظر في الاتفاقيات، خصوصًا أن التراث الاستعماري الفرنسي ساهم في هندسة الحدود بشكل تركيبي أثار خلافات لاحقة بين الجانبين.
________________________________________

الأبعاد السياسية والاستراتيجية

إن الخلاف حول غار جبيلات لا يقتصر على مسألة قانونية فحسب، بل يرتبط أيضًا بتأويلات استراتيجية أوسع. فمن منظور الرباط، فإن خرق بنود الاتفاق قد يشكل إساءة لجهود التطبيع وبناء الثقة بين الجارين، في وقت تتعقد فيه ملفات أكبر مثل قضية الصحراء الغربية التي تظل نقطة توتر جوهرية في العلاقات الثنائية .

في المقابل، يرى البعض في الجزائر أن هذا التحرك لا يتجاوز كونه ضغطًا سياسيًا للرد على سياسات المغرب أو خطاباته الدولية بشأن الصحراء، ولا يرتبط برغبة حقيقية في مواجهة عسكرية، خاصة وأن الجزائر نفسها تواجه تحديات داخلية كبيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية .
________________________________________

بين التوتر القانوني والدبلوماسي

حتى الآن يبقى الوضع على الحدود هشًا، والمخاوف من توسيع دائرة الاحتكاك قائمة، لا سيما في ظل تداخل ملفات سياسية وأمنية واقتصادية. الخطاب الرسمي المغربي داعٍ إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد، بينما يشير النقاد إلى أن غموض وضع الاتفاقيات القديمة وعدم إشراك البرلمان المغربي في مراحلها قد ساهم في إضعاف قوة الرد القانوني والسياسي للرباط في مواجهة المستجدات.

المشهد مفتوح على احتمالات متعددة، لكن ما يبدو يقينيًا هو أن الحوار القانوني والدبلوماسي سيبقى الأداة الأكثر قابليةً لحل هذه العقدة المعقدة، بشرط أن تتسع الإرادات السياسية لاستيعاب الخلافات وتجاوزها، بدلًا من تأجيجها عبر المطالبات الأحادية أو التفسيرات الملتبسة للاتفاقيات التاريخية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي