ومضة ضوء : الهولوكوست والاختبار الإنساني… الشرق الأوسط يسجل صفرًا.

محمد سعد خير الله
2026 / 2 / 3

كما تعلمون، بدأ الاحتفال باليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا محرقة اليهود (الهولوكوست) رسميًا في 27 يناير من كل عام، وذلك بناءً على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 60/7 الصادر في 1 نوفمبر 2005، وتم إحياؤه لأول مرة في عام 2006. وجاء اختيار هذا التاريخ، 27 يناير، تخليدًا لذكرى تحرير معسكر الاعتقال النازي (أوشفيتز-بيركيناو) في عام 1945. قبل أيام، حلّت علينا ذكرى هذا العام، وكنت قبلها قد تلقيت دعوة كريمة للحضور من إحدى الروابط السويدية/الإسرائيلية. ومنذ سنوات أداوم على المشاركة في هذه الفعالية، فهي فرصة للتأمل وتذكّر ما حدث من أهوال مروّعة، يستخلص منها المرء العبر والدروس.

وأثناء جلوسي في كنيس مالمو، أستمع إلى كلمة ليني فيشرمان، الابنة الصغرى لبيرغيت كراسنيك فيشرمان، التي وصلت إلى مدينة مالمو وهي في السابعة من عمرها فقط، على متن إحدى (الحافلات البيضاء). وقد تم إنقاذها مع عائلتها بعد 18 شهرًا قضتها في معسكر الاعتقال تيريزينشتات. واليوم تبلغ بيرغيت من العمر 87 عامًا وتعيش في الدنمارك. نشأت ليني في بيئة يهودية في كوبنهاغن، ودرست، من بين أمور أخرى، في المدرسة اليهودية في المدينة، وعملت مهنيًا كمدرِّبة ومستشارة مهنية (والتعريف أعلاه مقتبس من برنامج الفعالية – Programbladet).
في تلك اللحظة، قفز إلى ذهني سؤال ملحّ، رغبت في مشاركته معكم من خلال هذا المقال:كم دولة في الشرق الأوسط تُحيي ذكرى الهولوكوست؟
وكم دولة في هذا الإقليم اجتازت، أو تحاول اجتياز، هذا الاختبار الإنساني الخالص بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟
الإجابة صادمة: لا توجد أي دولة في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل بالطبع ، تُحيي هذه الذكرى أو ترغب حتى في تذكّر ما حدث. ستة ملايين يهودي قُتلوا بدم بارد في واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث. وإلى جانب اليهود، قتل النازيون مجموعات أخرى من البشر، من بينهم الغجر وذوو الإعاقة، كما اعتُقل وانتهكت حقوق جماعات أخرى، كالمثليين والمعارضين السياسيين وغيرهم.

ملاحظة مهمة:يُقدَّر عدد اليهود في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (الدول العربية، وإيران، وتركيا) قبل عام 1948 بنحو 1.1 مليون نسمة، كان معظمهم من الأفراد ذوي الكفاءة العالية والقدرات الإبداعية الاستثنائية. وفي عدد من البلدان، تعرّضوا لأعمال مروّعة هدفت إلى تنفيذ تطهير عرقي.
وقد بدأت هذه الممارسات بمذبحة الفرهود التي وقعت في 1 يونيو 1941، وهي مذبحة استهدفت يهود بغداد خلال عيد شفوعوت اليهودي، حيث قُتل مئات اليهود، وجرح قرابة 2500 , وتعرّضت منازلهم وممتلكاتهم ومتاجرهم للنهب. وسارت دول أخرى في المنطقة على النهج ذاته، وإن
اختلفت الأشكال والوسائل.فعلى سبيل المثال، كان في مصر، موطني الأصلي، تعداد يهودي لا يقل عن 85 ألف شخص، ولم يبقَ منهم اليوم أقل من عشرة. وقد اتبعت بقية الدول نمطًا مشابهًا.

إنه سقوطٌ مدوٍّ، مكتمل الأركان. والأكثر فداحة أن هذا يحدث رغم وجود معاهدات سلام قائمة: معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، التي وُقّعت في واشنطن في 26 مارس 1979 عقب اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978، واتفاقية وادي عربة، معاهدة السلام بين المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل، الموقعة في 26 أكتوبر 1994، فضلًا عن اتفاقات السلام الإبراهيمية بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب.

أي أننا، واقعيًا، أمام سلام يجمع إسرائيل بست دول في الإقليم. ومع ذلك، إذا وضعنا في الاعتبار تجميد السلام على المستوى الشعبي، وتفعيله شكليًا ونظاميًا فقط، خاصة في مصر، وبدرجة أقل في الأردن، حيث تُمارَس مأسسة كراهية إسرائيل والتحريض عليها لدفع المجتمعين إلى معاداتها، مع تقديم النظامين نفسيهما بوصفهما (دعائم الاستقرار)، وإذا أضفنا إلى ذلك ما يشهده السودان من اقتتال أهلي منذ 15 أبريل 2023، يبقى السؤال مشروعًا وملحًا.
ماذا عن الإمارات والمغرب والبحرين؟
وللأمانة والإنصاف، تعمل الإمارات والمغرب، بجد واجتهاد، على ترسيخ السلام شعبيًا بين مجتمعيهما والمجتمع الإسرائيلي، في محاولة حقيقية لتجاوز الإرث السام من الكراهية والإنكار.
ويبقى السؤال مفتوحًا، بلا مجاملة ولا مواربة: هل تأتي ذكرى إحياء اليوم العالمي لضحايا الهولوكوست عام 2027، ونجد دولًا في الشرق الأوسط نجحت في اجتياز هذا الاختبار الإنساني؟ آمل وأتمنى.

تنويه: نُشر هذا المقال في صحيفة Bulletin السويدية يوم أمس، 2 فبراير، ويُنشر هنا حصريًا باللغة العربية في الحوار المتمدن.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر