|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2026 / 2 / 2
في كل عصر، تظهر لحظة يتجاوز فيها التهكّم دوره التقليدي كأداة للضحك أو كسر الجدية، ليصبح تقنية معرفية، وسلاحا سياسيا، ومرآة تكشف هشاشة الإنسان حين يتوهّم القوة. ولعلّ أكثر ما يثير الانتباه أن السخرية، التي كانت تُعدّ في التراث العربي “حيلة الضعيف”، تحوّلت في زمننا إلى أداة يمارسها الأقوياء ببرود، كأنها امتداد طبيعي لسلطتهم. ولا بد من العودة إلى أحد أبرز من فهموا التهكّم بوصفه فنا للنجاة: عالم الاجتماع العراقي علي الوردي.
كان الوردي يدرك أن السخرية ليست مجرد تعليق لاذع، بل طريقة للالتفاف على الأسئلة التي تُطرح بنية الإيقاع، أو بنية الإحراج، أو بنية جرّ المتحدّث إلى فخّ سياسي. أتذكّر تلك الحادثة التي ظلّت تتردّد في الذاكرة كأنها مشهد من مسرح العبث: أحد جمهور أمسية للوردي يسأل سؤالاً مشاكساً يريد أن يجرّ الوردي إلى مأزق سياسي مباشر. لم يرفع الوردي صوته، ولم يلوّح بسلطة معرفية، بل اكتفى بأن ينظر إلى السائل، ثم إلى ساعته، ويقول ببراءة لا تخلو من لذع “اسمحوا لي أن أذهب إلى الحمّام لأغسل يدي… وبعدها نفكّر معاً في جواب لهذا السؤال”.
بهذه الجملة وحدها، أعاد الوردي ترتيب المشهد: السائل الذي أراد أن يبدو قوياً بدا صغيراً، والوردي الذي كان يُفترض أن يكون في موقع الدفاع، خرج من الموقف كمن يملك رفاهية الوقت والاستخفاف.
ولم تكن سخرية الوردي موجّهة للخصوم فقط، بل للأصدقاء أيضاً، وبمحبة لا تخلو من اختبار مع الفقيه الموسوعي جلال الحنفي، مثلاً، كان الخلاف حول وجود الجن يتحوّل إلى مسرح صغير للتهكّم المتبادل. الوردي يؤمن بالبيوت المسكونة، والحنفي يسخر من الفكرة. وحين اقترح الوردي أن يبيت الحنفي ليلة في بيت “مسكون”، ردّ الأخير “ستتسلّل يا ورَدي ليلاً وتطرق الطناجر بالملاعق وتقول إنها من فعل الجن”.
هنا تتجلى السخرية في أنقى صورها: ليست لإهانة الآخر، بل لامتحان منطقه، ولتحويل الخلاف الفكري إلى لعبة ذهنية.
لكن التهكّم، حين ينتقل من المجال الشخصي إلى المجال السياسي، يتغيّر جوهره. في السياسة، السخرية ليست لعبة، بل أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة. وهنا يظهر المثال الأكثر فجاجة في السنوات الأخيرة: الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
لقد أمضى القادة الأوروبيون عاما كاملا يحاولون كسب احترامه عبر الإطراء، والزيارات البروتوكولية، والحجج المصوغة بعناية. كانوا يتعاملون معه بمنطق الدبلوماسية التقليدية: المجاملة أولاً، ثم الإقناع، ثم التفاهم. لكنهم استيقظوا ذات صباح ليجدوا أن كل ذلك ارتدّ عليهم، وأن ترامب انتقل من لغة التهديد إلى السخرية المطلقة. بيد أن ترامب قال وهو يحتفل بمرور عام على ولايته الرئاسية الثانية “الله فخور جدا” بما حققه خلال هذه السنة! على من يتهكم هنا أو يتغطرس؟
لم يكن تهكّمه انفعالا، بل إستراتيجية. تقول ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية في روما، إن ترامب كان يستخدم السخرية كسلاح مقصود، وأن الأمر يتعلق بالخضوع: أنت تجعل الآخرين يخضعون من خلال الإكراه، والتقليل من شأنهم، وتحويلهم إلى مادة للضحك العام.
حين سخر ترامب من الدنمارك واصفا دفاعها عن إحدى الجزر بأنه لا يتجاوز “زلاجتين تجرّهما الكلاب”، لم يكن يطلق نكتة. كان يعيد ترتيب العلاقة بين دولة كبرى ودولة أصغر، عبر جملة واحدة. كان يقول لهم “أنتم لستم ندا لي”.
وقال هازئا عن مانويل ماكرون “شاهدته يؤدي دور الرجل القوي بنظاراته الشمسية الجميلة” التي اضطر الرئيس الفرنسي إلى وضعها بسبب مشكلة في العينين.
وهنا تكمن خطورة السخرية السياسية: إنها لا تستهدف الضحك، بل الهيمنة. إنها ليست تعليقاً، بل إعلان سلطة.
في الفلسفة السياسية، يُنظر إلى التهكّم بوصفه شكلاً من أشكال “العنف الرمزي”. إنه لا يجرح الجسد، لكنه يجرح المكانة. لا يقتل الخصم، لكنه يقتل صورته أمام نفسه وأمام الآخرين. ولذلك، فإن السياسي الذي يجيد التهكّم يمتلك قدرة على إعادة تشكيل الواقع عبر اللغة وحدها.
لكن هذه القدرة ليست متاحة للجميع. فالسخرية تحتاج إلى ذكاء لغوي، وإلى حسّ باللحظة، وإلى قدرة على قراءة الجمهور. ولهذا، حين يحاول بعض السياسيين تقليد هذا الأسلوب دون امتلاك أدواته، يتحوّلون إلى مهرّجين في سيرك سياسي كما يحدث في العراق منذ عام 2003.
المشهد العراقي قدّم نماذج صارخة لسياسيين ظنّوا أن السخرية طريق إلى الشعبية، فإذا بها تكشف ضحالتهم. كانوا يظنون أن التهكّم يرفعهم، فإذا به يفضحهم. فالسخرية التي لا تستند إلى عقل، تتحوّل إلى ابتذال.
إن التهكّم، في جوهره، ليس فعلا لغويا فقط، بل موقف وجودي. إنه طريقة للنظر إلى العالم من زاوية أعلى قليلاً، زاوية تسمح برؤية المفارقات، والتناقضات، والادعاءات الفارغة. ولذلك، فإن السخرية الذكية ليست هدما، بل كشف. ليست إهانة، بل إضاءة.
وحين يستخدمها الأقوياء، كما يفعل ترامب، تتحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل العالم وفق مزاجهم. وحين يستخدمها المفكرون، كما فعل الوردي، تتحوّل إلى وسيلة لتحرير العقل من الخوف.
بين الوردي وترامب، بين السخرية الودودة والسخرية المتعالية، تتكشف لنا خارطة كاملة للسلطة والوعي واللغة.
فالتهكّم، في النهاية، ليس مجرد أسلوب، بل اختبار للذكاء، ومرآة للسلطة، وفضيحة للضعف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يحدث حين تتحوّل السخرية من أداة كشف إلى أداة قمع؟ حين تصبح اللغة نفسها ساحةً للهيمنة، لا للمعرفة؟ في عالم يتقدّم فيه الأقوياء بضحكة ساخرة، ويتراجع فيه الضعفاء تحت وطأة التهكّم، يبدو أننا أمام انقلاب في وظيفة الخطاب. فالسخرية التي كانت يوماً ملاذاً للضعفاء، صارت اليوم وسيلة لإذلالهم. وهنا تكمن المفارقة: هل ما زالت السخرية قادرة على تحرير العقل، أم أنها أصبحت جزءا من آلة إخضاعه؟
ولعلّ أخطر ما في هذا التحوّل أن الجمهور نفسه بات يتقبّل السخرية بوصفها معياراً للقوة، لا علامة على الاستبداد. فهل نحن أمام زمن تُقاس فيه الزعامة بحدة اللسان لا بعمق الرؤية؟ وهل يمكن لمجتمع يضحك من إهانته أن يطالب باحترامه؟
بين تهكّم الوردي الذي يحرّر، وتهكّم السلطة الذي يقمع، يقف القارئ أمام سؤال معلّق: أيّ سخرية نريد أن تحكم عالمنا… تلك التي تفتح العيون، أم تلك التي تغلق الأفواه؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |