|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 2 / 1
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
منجم غار جبيلات ليس قصة نجاح اقتصادي، بل فضيحة سياسية مؤجلة. فضيحة تُجسّد كيف تُدار الثروات في جزء من العالم لا تزال فيه “السيادة” شعاراً يُرفع لإسكات الأسئلة، لا إطاراً لحماية المصلحة العامة. ما يجري في تندوف اليوم ليس استثماراً استراتيجياً، بل نموذجاً فجّاً لكيفية تحويل المشاريع الكبرى إلى أدوات دعاية، فيما تُدفع الشعوب ثمن الوهم.
منذ الإعلان عن استغلال منجم غار جبيلات، تم تسويقه في الجزائر باعتباره ركيزة لنهضة اقتصادية مرتقبة. لكن هذا الخطاب الرسمي لم يصمد أمام تصريحات الخبير الاقتصادي الجزائري المعروف جلول سلامة، الذي تجرأ على كسر الإجماع المصطنع، وكشف ما حاولت الدعاية إخفاءه:
الجزائر أنفقت ما يقارب 3.5 مليار دولار فقط على البنية التحتية المرتبطة بالمشروع، خاصة خط السكة الحديدية الرابط بين الشمال والجنوب، الذي لم يكتمل بعد رغم بلوغ نسبة إنجازه حوالي 80%. هذا المبلغ الضخم صُرف قبل أن يثبت أصلاً أن المنجم مربح.
حديد رخيص… وتكلفة باهظة
المشكلة، كما أوضح سلامة، لا تكمن فقط في البنية التحتية، بل في طبيعة خام الحديد نفسه. فالحديد الموجود في غار جبيلات من بين الأرخص في السوق العالمية بسبب ارتفاع نسبة الشوائب، ما يجعل عمليات التصفية معقدة ومكلفة إلى حدّ قد يتجاوز قيمة المنتج النهائي. أي أن الدولة تستثمر مليارات الدولارات في مادة أولية ذات مردودية ضعيفة، في زمن تعاني فيه من اختلالات مالية واجتماعية عميقة.
الأخطر من ذلك، أن الشركة الصينية المشرفة على المشروع، بحسب تصريحات سلامة، لم تعتمد تكنولوجيا حديثة للتصفية، بل تعاملت مع المنجم كـمختبر تجارب. دولة بكاملها تحوّلت إلى حقل اختبار، باسم الشراكة وباسم “نقل الخبرة”، دون نقاش عمومي أو مساءلة برلمانية حقيقية.
خمسون سنة من الانتظار… لمن؟
بلغ العبث ذروته عندما صرّح الخبير ذاته أن الدولة الجزائرية لن تبدأ في جني عائدات حقيقية من المنجم إلا بعد خمسين سنة. خمسون سنة ليست خطة تنموية، بل هروب إلى المستقبل. هي وعد فارغ يُقدَّم لشعب يُطلب منه الصبر اليوم، مقابل أرباح قد لا يراها أبداً.
في أي دولة تحترم عقل مواطنيها، كان هذا الرقم وحده كفيلاً بإيقاف المشروع وإعادة تقييمه. أما في أنظمة تخشى المساءلة، فيتحول الرقم إلى تفصيل مزعج يجب دفنه.
القانون حين يخدم السلطة فقط
يزداد المشهد تناقضاً عند استحضار اتفاقية 1992، التي تمنح الجزائر السلطة الإدارية على منطقة تندوف، مقابل تقاسم السلطة الاقتصادية مع المغرب. عملياً، تم تجاهل هذا الشق الاقتصادي المشترك، دون أي التزام جزائري، ودون أي نقاش قانوني شفاف.
أما المغرب، فيلتزم الصمت. هذا الصمت لا يعكس بالضرورة غياب موقف، بل قد يعكس إدراكاً بأن الدخول في هذا الملف يمنح الجزائر ما تريده: شرعية سياسية لمشروع مشكوك في جدواه. أحياناً، الصمت ليس حياداً، بل رفضاً للمشاركة في مسرحية.
اختفاء جلول سلامة: عندما يصبح السؤال تهديداً
في تطور لا يمكن فصله عن السياق، اختفى جلول سلامة عن الأنظار منذ أيام، دون أي توضيح رسمي، ودون بيان من السلطات، ودون حتى محاولة من الإعلام الرسمي لطمأنة الرأي العام. في المقابل، راجت أخبار غير مؤكدة عن توقيفه أو العثور عليه جثة هامدة.
حتى مع غياب التأكيد، فإن الصمت الرسمي كافٍ لإثارة القلق. ففي الأنظمة الواثقة من خياراتها، يُحمى النقاش. أما حين يُخشى السؤال، فذلك لأن الإجابة مُحرِجة.
صناعة العدو: آلية قديمة لتبرير الفشل
بدلاً من فتح نقاش وطني حول كلفة المشروع وجدواه، يُعاد توجيه الخطاب نحو الخارج. “المغرب” يتحول إلى عدو جاهز، لا كنظام، بل كشعب كامل. هكذا يُختزل أكثر من 40 مليون إنسان في صورة خصم، ويُستبدل النقاش الاقتصادي بخطاب تعبوي.
هذا المنطق لا يختلف كثيراً عمّا تعرفه أنظمة أخرى في المنطقة. اختلاف الشعارات لا يخفي تشابه الآليات:
إشعال صراع خارجي لتفادي المحاسبة الداخلية.
التطبيع: أخلاق حسب الطلب
تقدّم الجزائر نفسها كخصم شرس للتطبيع مع إسرائيل، وتبني جزءاً كبيراً من عدائها السياسي للمغرب على هذا الأساس. لكن هذه “الصرامة الأخلاقية” تتصدع أمام بيانات دولية صادرة عن UN Comtrade، تشير إلى صادرات جزائرية إلى إسرائيل بلغت حوالي 32.29 مليون دولار في 2024، بعد 21.3 مليون دولار في 2022 و30.5 مليون دولار في 2023.
تتركز هذه الصادرات، حسب البيانات، على مواد كيميائية غير عضوية، ومركبات معادن ثمينة، والهيدروجين، ونظائر مشعة لأغراض طبية وتقنية. ويُقال إن هذه المبادلات “غير مباشرة”، عبر وسطاء أو إعادة تصدير.
لكن السؤال الذي يهم الرأي العام الدولي ليس تقنياً، بل سياسي:
لماذا يصبح التطبيع جريمة أخلاقية عندما يقوم به الآخر، وتفصيلاً تقنياً عندما تظهر أرقامه في قواعد البيانات الدولية؟
الثمن الذي تدفعه الشعوب
غار جبيلات ليس مجرد منجم، بل مرآة لأنظمة تخشى الشفافية. أنظمة تفضّل المشاريع الضخمة على الإصلاح الحقيقي، والشعارات على الأرقام، والعدو الخارجي على مواجهة الفشل.
وفي هذه اللعبة الخطرة، لا يوجد منتصر. المغرب والجزائر لن يربحا من تبادل الاتهامات، لكن الشعوب ستخسر المزيد من الوقت، والمال، والثقة. أما الحقيقة، فتبقى دائماً أول ضحية عندما تتحول “السيادة” إلى ذريعة، ويُعامل السؤال كجريمة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |