|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2026 / 2 / 1
الجميع ينتصر حين تزدهر المدن بالنظافة،
ويسعدني أكثر أن أجد حدائق عامة بسيطة يلعب فيها أطفال بلادي من الطبقات الفقيرة.
أقول في نفسي إن حصةً من ثروات البلاد، ومن مساهمات دافعي الضرائب – على قلتهم – تعود هنا فرحًا صغيرًا، ونافورة ماء، ومساحة خضراء تمنح هؤلاء الأطفال عذوبة المتعة التي نسمّيها في علم الاقتصاد السلع العامة ، وهي سلع لا يمكن منع الناس من الاستفادة منها، ولا تقل منفعتها بازدياد المستفيدين. وهنا تحديدًا تظهر مشكلة تُعرف بـ الركوب المجاني.
عدت بذاكرتي إلى أيام دراستي لمادة اقتصاديات الرفاه، وإلى محاضرة أستاذي القدير ديفيد وينش (David Winch)، أستاذ الاقتصاد النظري، ولا سيما الاقتصاد الجزئي واقتصاد الرفاه، وصاحب الكتاب المعروف Analytical Welfare Economics، الذي ظل مرجعًا أساسيًا في مقررات الاقتصاد المتقدمة في المدارس الأكاديمية الغربية.
فاقتصاد الرفاه، في جوهره، علمٌ يبحث في كيفية تأثير السياسات الاقتصادية وتوزيع الموارد في رفاه المجتمع وعدالته.
وبعبارة أخرى، هو فرع من الاقتصاد يدرس أثر تخصيص الموارد والسياسات العامة في الكفاءة وجودة الحياة، لا في مقدار الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات النمو فحسب.
كان حديث البروفيسور وينش يومها عن ظاهرة الركوب المجاني (Free Riding)، بوصفها سلوكًا اقتصاديًا ينتفع فيه فرد أو جهة من منفعة أو خدمة عامة دون أن يساهم في تكلفتها، معتمدًا على مساهمة الآخرين، ولا سيما الفئات من دافعي الضرائب .
غير أن النقاش اتخذ بعدًا أعمق حين انتقلنا إلى الدول الريعية، حيث تتحول الظاهرة إلى ما يشبه مقايضة غير معلنة بين الديمقراطية والريع ،أي استفادة واسعة من الإنفاق العام دون مساهمة إنتاجية مقابلة، بما يضعف العقد الاجتماعي ويحوّل الدولة من محفّز للإنتاج إلى مجرّد موزّع للريع.
واليوم، بعد أقل من نصف قرن على تلك المحاضرة، أجدني أستعيد ذلك النقاش من زاوية مختلفة.
فبينما أفرح بما يمكن تسميته الركوب المجاني الموجب – حين يستمتع أطفال الفقراء بالحدائق والمساحات العامة دون مقابل – ينتابني الألم أمام شكل آخر، أكثر قسوة، من الركوب المجاني السالب.
فهذا الذي يقود سيارة فارهة فيرمي منديلاً ورقيًا او اعقاب السجارة او زجاجة مشروبات في الشارع العام بلا اكتراث،
وذاك الذي يلقي أكياس النايلون التي لوّحتها شمس العراق على الأرصفة وتعبث بها الرياح وهي فاقعة اللون ،
وآخر يبعثر النفايات قرب مدرسة مجاورة…
كأنهم جميعًا يقاومون الركوب المجاني الموجب، ويستبدلونه بركوب مجاني سالب يدمّر الفضاء العام.
هنا أدركت أن الركوب المجاني السالب لا يقتصر على الريع والديمقراطية،
بل يتجسّد أيضًا في ثقافة الذوق العام، واحترام البيئة، وصيانة الحق المشترك.
إنه اختلال عميق في التوازن بين المنفعة والمسؤولية، بين ما نأخذه من الفضاء العام وما نعيده إليه.
رحل أستاذي ديفيد وينش في شباط/فبراير من عام 2002، فانقطع حوار طويل عن الريع والديمقراطية. وما زلت أعتقد أن أخطر أشكال الركوب المجاني السالب هو ذاك الذي يتمدد فيه المتهربون من المساهمة المجتمعية على الريع النفطي، ولا سيما من كبار الأغنياء، عبر من
يلوي أعناق الإجراءات القانونية ويقفز عليها وهو ما يطلق عليهم
بطالبي الريع (Rent Seekers):
فهم افراد أو جهات تسعى للحصول على أرباح أو مزايا اقتصادية دون أي مساهمة إنتاجية فعلية، بالاعتماد على الامتيازات أو النفوذ أو السياسات العامة.
لكن هناك أسئلة ما زالت حيّة:
كيف نحمي الركوب المجاني الموجب؟
وكيف نمنع تحوّله إلى سلوك سالب يخنق المدن، ويضيّق المساحات الخضراء، ويصادر فرح أطفال الفقراء؟.سؤال مفتوح ونقاش لا ينتهي في اجتماعيات علم الاقتصاد السياسي.