المغرب بين السدود والموت: حين يصبح الماء امتيازاً والقرى ضحية

فريد بوكاس
2026 / 1 / 31

ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي

منذ الاستقلال، شكّلت سياسة بناء السدود في المغرب أحد أعمدة الخطاب الرسمي حول التنمية، وجرى تقديمها باعتبارها خياراً سيادياً بعيد المدى يهدف إلى تأمين الموارد المائية وضمان الاستقرار الاجتماعي والغذائي، غير أن هذا الخطاب، الذي ترسّخ بقوة منذ عهد الحسن الثاني واستمر دون مراجعة جوهرية إلى اليوم، يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً واختلالاً، حيث لم تعد السدود مجرد بنية تحتية عمومية، بل تحولت إلى أداة مركزية في إعادة توزيع غير عادل للماء والأرض والسلطة.

ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ومع إطلاق ما سُمّي بـ“سياسة السدود الكبرى”، لم يكن الاستثمار العمومي في البنية المائية معزولاً عن السياق السياسي والاقتصادي العام، بل تزامن مع عملية إعادة هيكلة عميقة للقطاع الفلاحي، انتهت، في كثير من الحالات، إلى تركيز الأراضي المسقية ذات القيمة العالية في يد الدولة المركزية والنخب المرتبطة بها، قبل أن تتبلور لاحقاً في شكل ملكيات كبرى، في مقدمتها العائلة الملكية، التي تشير تقديرات متداولة على نطاق واسع، في ظل غياب معطيات رسمية شفافة، إلى أنها تملك ما يزيد عن 70 في المائة من الأراضي المسقية عالية الإنتاجية في البلاد.

هذه الملكية الواسعة لا تُدار بشكل مباشر، بل عبر منظومة شركات متشابكة، تتصدرها مجموعة “الضيعات الفلاحية” (Les Domaines Agricoles)، التي تأسست سنة 1960 تحت اسم “الضيعات الملكية”، والخاضعة لملكية شركة “سيجر” (SIGER)، القابضة الخاصة بالملك محمد السادس، والمرتبطة عضوياً بـمجموعة “المدى” (Al Mada)، التي أصبحت فاعلاً اقتصادياً مهيكلاً في قطاعات الغذاء والزراعة والتصنيع والتصدير. وبهذا التشابك، لم تعد الفلاحة الكبرى نشاطاً اقتصادياً عادياً، بل امتداداً مباشراً لبنية السلطة نفسها.

في المقابل، يجد الفلاح الصغير وساكنة القرى أنفسهم خارج هذه المعادلة، محرومين من الماء، ومقيدين بقوانين صارمة تمنعهم من حفر الآبار أو توسيع السقي، بدعوى الحفاظ على الموارد، في وقت تُضخ فيه مياه السدود العمومية بسخاء نحو الضيعات الكبرى. وحين تأتي الأمطار، لا تتحول دائماً إلى نعمة، إذ تُفتح بوابات السدود عند امتلائها فجأة، بدعوى الضرورة التقنية، فتجرف السيول المنازل الهشة والقرى المهمشة، في مشهد يتكرر بلا محاسبة وبلا مراجعة حقيقية لمنطق تدبير المخاطر.

المفارقة التي تفرض نفسها هنا أن هذه الفيضانات نادراً ما تمس الضيعات الكبرى المحمية بالبنية التحتية والاستثمارات الثقيلة، ما يعمّق الإحساس السائد بأن الخطر، كما الماء، يُدار في اتجاه واحد فقط: اتجاه الهامش الاجتماعي، لا مركز النفوذ.
أما على المستوى القانوني، فرغم تحديث الترسانة التشريعية المتعلقة بالماء، ما تزال الدولة تحتفظ بسلطة شبه مطلقة في تدبير هذا المورد الحيوي، دون إشراك فعلي للجماعات المحلية أو ضمان آليات رقابة مستقلة وفعالة. وبدل أن يُستخدم هذا الاحتكار القانوني لتحقيق العدالة في التوزيع، جرى توظيفه، في نظر كثيرين، لحماية مصالح كبار المستفيدين، وفرض القيود والعقوبات على الأضعف، في مفارقة تكشف كيف يتحول القانون من أداة إنصاف إلى أداة ضبط.

وفي الأسواق، يتجلى الوجه الاقتصادي للاختلال نفسه، حيث يساهم خيار التصدير المكثف، غير المؤطر بضوابط اجتماعية صارمة، في استنزاف الإنتاج الوطني، خصوصاً من الضيعات الكبرى المرتبطة بالشركات الملكية، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار داخلياً، وتراجع جودة المعروض، وتفريغ مفهوم “الأمن الغذائي” من أي مضمون اجتماعي حقيقي. وهكذا يشعر المواطن بأنه آخر من يُفكَّر فيه في سلسلة الإنتاج، وأن ما يُترك له هو ما لم يعد مربحاً أو مطلوباً في الخارج.

غير أن أخطر ما في هذا النموذج ليس فقط تركّز الأرض والماء داخل دائرة ضيقة، بل الصمت المؤسسي الذي يحيط به: صمت الدولة، وصمت البرلمان، وصمت المؤسسات الرقابية، وصمت نخب تعرف حجم الاختلال لكنها تفضّل السلامة السياسية على الحقيقة. ففي بلد يُفترض أن الماء فيه ملك عمومي، تحوّل هذا المورد الحيوي إلى مجال محظور على النقاش، وكأن مساءلة من يملك الأرض والماء معاً تُعد خروجاً عن المسموح.

وما لم يُفكَّك هذا الاحتكار تاريخياً وقانونياً وسياسياً، ستظل السدود قائمة لا كحل للأزمات، بل كجزء من المشكلة نفسها، تُراكم التوتر بدل أن تُخفّفه، وتعمّق الإحساس بالظلم بدل أن تبني الثقة. فالدولة التي تسمح بأن يُموَّل الماء جماعياً ويُستثمر خاصّاً، وأن تُحمى الضيعات الكبرى بينما تُغرق القرى، وأن يُصدَّر الغذاء بينما يُترك المواطن لمواجهة الغلاء، هي دولة تُفرغ مفهوم المصلحة العامة من معناه، وتحوّل التنمية إلى واجهة لغوية تخفي منطق الامتياز.

إن استمرار هذا النموذج، القائم على تداخل السلطة بالثروة، والقانون بالريع، والسدود بالملكية الخاصة المقنّعة، لا يمكن إلا أن يُنتج مزيداً من الغضب الاجتماعي، لأن الشعوب قد تتعايش مع الجفاف، لكنها لا تتعايش طويلاً مع الإحساس بأن عطشها ليس قدراً طبيعياً، بل نتيجة قرار سياسي. فحين يرى المواطن أن الماء يمر أمامه ولا يحق له لمسه، وأن الأرض تُسقى ولا يُسمح له بالزرع، وأن السدود ترتفع بينما حياته تزداد هشاشة، فإن كل خطاب رسمي عن الاستقرار والتنمية يتحول، تلقائياً، إلى استفزاز.

المسألة، في النهاية، ليست تقنية ولا ظرفية، بل مسألة عدالة سياسية: إما أن يُعاد الاعتبار للماء باعتباره حقاً مشتركاً، وتُفصل السلطة عن الملكية، ويُفتح ملف السدود والأراضي المسقية بشفافية كاملة، أو أن يستمر هذا النموذج القائم على احتكار الحياة نفسها، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية لا تُقاس بالخرسانة ولا تُحتوى بالأرقام.

فالسدود لا تحمي المجتمعات حين تُدار ضدها، والماء لا يصنع الاستقرار حين يُستخدم كامتياز، وأي نظام يراكم الثروة في الأعلى ويُصدّر الأزمات إلى الأسفل، لا يبني مستقبلاً، بل يؤجل مواجهة حتمية مع واقع لم يعد قابلاً للتزيين ولا للتسويق.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي