قتل المهربين، حماية الشبكة: فشل استخباراتي منهجي على الحدود الجزائرية–المغربية

فريد بوكاس
2026 / 1 / 30

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

المقدمة

تمثل ظاهرة تهريب المخدرات بين الجزائر والمغرب تحديًا أمنيًا معقدًا، يتجاوز ضبط شحنات أو مواجهة مهربين في نقاط التماس الحدودية، لتصل إلى مستوى الشبكات المنظمة التي تمتلك قدرات مالية ولوجستية كبيرة وتاريخًا طويلًا في التحايل على أجهزة الدولة. الحدود في هذا السياق ليست خطوطًا ثابتة، بل فضاءات تشغيلية معقدة، تتداخل فيها الجغرافيا الوعرة، الاقتصاد غير الرسمي، والاختلالات التنموية والاجتماعية، ما يوفر مهربين قادرين على الاستمرار دون مواجهة فعّالة.

العملية الأخيرة، التي أسفرت عن مقتل ثلاثة مهربين واعتقال الرابع مع ضبط شحنة بوزن 75 كيلوغرامًا، قُدِّمت إعلاميًا على أنها نجاح أمني. غير أن التحليل الاستخباراتي المعمق يكشف أن النتيجة تمثل فشلًا منهجيًا صريحًا على مستويات متعددة، بدءًا من فقدان معلومات استخباراتية حرجة، مرورًا بعدم تعطيل الشبكات العليا، ووصولًا إلى حماية شبكة التوزيع المحلية داخل الجزائر.
________________________________________

الأمن الحدودي: بيئة معقدة تتطلب تفكيرًا استخباراتيًا

الحدود الجزائرية–المغربية ليست خطوطًا سيادية جامدة، بل فضاءات تشغيلية متحركة يختلط فيها التاريخ الاجتماعي للتهريب، الاقتصاد غير الرسمي، والجغرافيا الصعبة. التعامل مع هذه البيئة بمنطق القوة وحده، كما حصل في العملية، يحقق هدأً قصير الأمد على مستوى النقاط الحدودية لكنه يفشل في تعطيل الشبكات أو الوصول إلى القادة والمنسقين.

النجاح الأمني الحقيقي يتطلب إدارة الفضاء، تحليل المسارات، فهم ديناميات الشبكة، وتحديد نقاط الاختناق التي يمكن عبرها شل القدرة التشغيلية للشبكات، بدل الاكتفاء بالتحييد الميداني المؤقت.
________________________________________

التحليل التكتيكي للعملية

أسفرت العملية عن:
• تحييد ثلاثة مهربين واعتقال الرابع.
• ضبط شحنة مخدرات تبلغ 75 كيلوغرامًا.
من منظور تكتيكي، تحقق نجاح محدود في السيطرة الميدانية، لكنه لم يُترجم إلى أي أثر استخباراتي أو استراتيجي ملموس، إذ لم تُستغل الفرصة للوصول إلى قيادات الشبكة، أو تعطيل البنية المالية، أو التحكم في شبكة التوزيع المحلية داخل الجزائر.
________________________________________

التحليل الاستخباراتي التفصيلي

1. شبكة القادة والمنسقين
القيادة العليا للشبكة هي القلب النابض للعملية، وهي مسؤولة عن التخطيط، التمويل، والتحكم في المسارات. لم يُسجَّل أي اختراق لهذه الشبكة العليا، ما يجعل تقييم العملية كنجاح مضللاً، إذ لم يُحدّ من قدرة القيادة على اتخاذ القرارات التشغيلية أو تعديل المسارات.
2. شبكة الممولين
شبكة التمويل تزود العمليات بالموارد المالية وتدير معاملات الشراء والنقل. غياب أي اختراق لهذه الشبكة يعني استمرار التمويل بلا عائق، وبالتالي فإن العملية لم تُحدث أي ضغط مالي على المنظمة.
3. عناصر التنفيذ الميداني
العناصر التنفيذية أو المهربون يمثلون الحلقة الأضعف في الشبكة، وسهلة الاستبدال. مقتل ثلاثة منهم واعتقال الرابع لا يُضعف القدرة التشغيلية، خصوصًا مع غياب استغلال الاعتقال الحي للحصول على معلومات عن القيادة أو التمويل.
4. شبكة التوزيع المحلية داخل الجزائر

الشحنة المحجوزة تكشف عن وجود شبكة توزيع واسعة داخل الجزائر، مسؤولة عن توزيع المخدرات على السوق المحلي. الفشل الأكثر وضوحًا هو أن قتل المهربين لم يُضعف هذه الشبكة بل ساهم عمليًا في حمايتها من أي كشف محتمل، الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى تحديد نقاط التخزين والوسطاء المحليين ومسارات النقل الداخلي، وهو ما يعكس فشلًا مزدوجًا: تكتيكيًا واستراتيجيًا.
________________________________________

التحليل الشبكي

شبكات التهريب تتميز بالمرونة وفصل التمويل عن التنفيذ، وقدرة عالية على تعديل المسارات عند أي تهديد ميداني. استهداف العناصر التنفيذية فقط، دون اختراق البنية العليا أو شبكة التمويل، لا يُضعف القدرة التشغيلية، بل قد يحفّز الشبكة على تعزيز سريتها وحماية قياداتها ومراكز التمويل. وجود شبكة توزيع محلية لم تُستغل العملية لكشفها أو تعطيلها يجعل الفشل أكثر وضوحًا، إذ تمت حماية هذه الشبكة بشكل غير مباشر، مما يسمح باستمرار توزيع المخدرات داخليًا دون أي تهديد فعّال.
________________________________________

الخلل العقائدي في المقاربة الأمنية

الفشل ليس مجرد نتيجة ميدانية، بل انعكاس لخلل عقائدي جوهري في إدارة الأمن الحدودي، إذ اختلطت وظيفة حماية الحدود (دفاعية) مع وظيفة مكافحة الجريمة المنظمة (استخباراتية).
النتائج المباشرة لهذا الخلل:
• استخدام القوة المميتة بدل الاعتقال الحي والاستنطاق.
• فقدان مصادر معلومات حيوية عن القادة ومسارات التمويل.
• حماية شبكة التوزيع المحلية بدل كشفها أو تعطيلها، وهو مؤشر واضح على قصور في التخطيط الأمني الاستراتيجي.
________________________________________

الخلاصة التحليلية

توضح هذه الدراسة أن العملية الحدودية الأخيرة تمثل فشلًا منهجيًا صريحًا على جميع المستويات. لم تُنتج تفكيكًا للشبكة، ولم تُفضِ إلى أي اختراق استخباراتي، ولم تُعرقل شبكة التوزيع المحلية داخل الجزائر، بل على العكس ساعدت في حماية هذه الشبكة من كشف محتمل.
الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الضحايا أو حجم الشحنة، بل بمدى تعطيل البنية التنظيمية والتحكم في مسارات التوزيع، وتحويل المعلومات إلى قدرة استخباراتية مستدامة. ما لم يتحقق ذلك، فإن كل عملية تُقدّم على أنها نجاح هي معالجة سطحية لعرض متكرر، يعيد إنتاج نفس الشبكات ويؤكد استمرار تهريب المخدرات دون عقاب فعّال.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي