فيضانات المغرب: أرقام تفضح خطاب الإنجازات

فريد بوكاس
2026 / 1 / 30

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

لم تعد الكوارث في المغرب أحداثًا استثنائية، بل صارت نمطًا متكررًا، وسلسلة مترابطة من الفشل البنيوي، تُعرّي زيف الخطاب الرسمي الذي يروّج لبلد «صاعد» و«مستقر» و«رائد في البنيات التحتية». فمن زلزال الحوز، إلى فيضانات آسفي، وصولًا إلى فيضانات الشمال الشرقي، وتحديدًا تطوان والقصر الكبير، تتكشف الحقيقة العارية: الدولة المغربية عاجزة عن حماية مواطنيها، وغير مؤهلة لتدبير الأزمات، بل وأصبحت في حالات كثيرة سببًا مباشرًا في تعميق المأساة.

في القصر الكبير، لم تكن المياه وحدها هي التي أغرقت المدينة، بل أغرقها الإهمال المتراكم، وسوء التخطيط، وغياب الحكامة. حين يصل منسوب ملء سد وادي المخازن إلى 130%، وحين تضطر السلطات إلى فتح النوافذ بشكل استعجالي تفاديًا لانهياره، فإننا لا نكون أمام «كارثة طبيعية»، بل أمام كارثة سياسية وتقنية وإدارية مكتملة الأركان. قرار فتح النوافذ، الذي أُخذ تحت ضغط اللحظة، كلّف آلاف المواطنين الإجلاء القسري، وأغرق أحياء بأكملها، ودمّر أراضي فلاحية، دون سابق إنذار حقيقي، ودون خطط واضحة للحماية أو التعويض.

هذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، لأن منطق التدبير لم يتغير: ردّ فعل متأخر، تواصل مرتبك، تحميل المسؤولية للطقس، ثم الصمت.

قبلها، في آسفي، لفظت الفيضانات عشرات الأرواح، وخلفت خسائر بمليارات الدراهم. ضحايا سقطوا لأن البنية التحتية هشة، لأن قنوات الصرف مغشوشة أو غير موجودة، لأن المدينة أُديرت بعقلية الترقيع لا بعقلية الوقاية. ومع ذلك، أُغلِق الملف بسرعة، دُفن الضحايا في الصمت، وغابت المحاسبة، وكأن شيئًا لم يقع.

أما الحوز، فحدّث ولا حرج. بعد شهور طويلة من الزلزال، ما زال آلاف المتضررين يعيشون في الخيام، أو في ظروف لا تليق بالبشر. الوعود تبخرت، واللجان اختفت، والتعويضات لم تصل إلا إلى فئة محدودة، في حين تُركت الأغلبية تواجه مصيرها وحدها. مأساة الحوز ليست فقط مأساة طبيعية، بل فضيحة دولة تخلّت عن مواطنيها، ثم انتقلت إلى تسويق إنجازات رياضية وسياحية، وكأن الخراب لا يعنيها.

وهنا يطرح السؤال الجوهري الذي تحاول السلطة الهروب منه:
أين هي البنية التحتية التي يتفاخر بها الخطاب الرسمي؟
هل البنية التحتية هي ملاعب كرة قدم بملايير الدراهم؟
هل هي ملاعب الغولف التي تستهلك الماء في بلد يعاني الجفاف؟
هل هي ملعب الهوكي الذي دُشّن حديثًا، بينما قرى بأكملها تغرق أو تنهار فوق رؤوس ساكنيها؟
أي معنى لبنية تحتية لا تصمد أمام أمطار موسمية؟
وأي دولة هذه التي تحمي صورتها أكثر مما تحمي مواطنيها؟

ثم أين هو صندوق الكوارث؟ ذلك الصندوق الذي يُستدعى في الخطابات، ويغيب في الواقع. أين هي آلياته؟ أين ذهبت أمواله؟ ولماذا يتحول المتضرر في كل مرة إلى متسول ينتظر صدقة أو إحسانًا، بدل أن يكون صاحب حق مكفول؟
وأين تذهب عائدات الثروات الطبيعية؟
عائدات المناجم التي تُستنزف بلا رحمة؟
عائدات الصيد البحري الذي يُصدَّر بينما الفقراء لا يذوقونه؟
عائدات الفوسفاط، والرخص، والامتيازات؟
الجواب المؤلم واضح، حتى وإن حاول الجميع إنكاره: المغرب ليس بلدًا واحدًا، بل بلدين.

هناك مغرب نافع، تُصب فيه الاستثمارات، وتُفرش له الطرق، وتُبنى له الملاعب، وتُحمى مصالحه بالقانون والقوة. مغرب تستفيد منه أقلية مرتبطة بالسلطة، من منتخبين صوريين، ومقاولين محظوظين، ووسطاء، ولوبيات ريعية.
وفي المقابل، هناك مغرب غير نافع، تسكنه الأغلبية الساحقة، مغرب القرى المنسية، والأحياء الهامشية، والفلاحين الصغار، والعمال، والمهمشين. مغرب يُترك لمصيره، ولا يُستحضر إلا عند الانتخابات، أو عند الحاجة إلى الصبر، أو لتلقي الصدمات.
الكوارث الطبيعية لا تقتل وحدها. الذي يقتل هو الإهمال، والفساد، وغياب العدالة المجالية، وانعدام التخطيط الاستباقي، والأخطر من كل ذلك: غياب المحاسبة. لأن الدولة التي لا تُحاسَب، تكرر أخطاءها، وتحوّل كل كارثة قادمة إلى مجزرة مؤجلة.
وما لم يتم الاعتراف بأن ما يقع ليس «ابتلاءً إلهيًا» ولا «حادثًا عرضيًا»، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية واضحة، فإن الماء سيعود، والزلزال قد يتكرر، والضحايا سيتضاعفون، لأن الخطر الحقيقي في هذا البلد لم يعد الطبيعة، بل طريقة حكمه.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي