المغرب: السجن المفتوح

فريد بوكاس
2026 / 1 / 29

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث

لا يخفى على أحد أن المغرب يعيش اليوم مفارقة قاسية: دولة تضم أكثر من 80 مؤسسة سجنية، ويقبع داخلها ما يزيد عن 100 ألف سجين، بينهم معتقلون سياسيون وصحافيون ومدوّنون وناشطون، ومع ذلك فإن السجن الحقيقي لا تحيط به الجدران ولا تُغلق عليه الأبواب الحديدية، بل يمتد على مساحة الوطن بأكمله. المغرب لم يعد فقط بلدًا فيه سجون، بل أصبح ـ في نظر فئات واسعة من مواطنيه ـ سجنًا مفتوحًا.

من السجن المادي إلى السجن الشامل

حين نذكر أسماء مثل ناصر الزفزافي ورفاقه من حراك الريف، أو المدونة سعيدة العلمي، أو الوزير والنقيب السابق محمد زيان، فنحن لا نستحضر فقط قضايا أفراد، بل نماذج دالة على منطق حكم قائم على الردع بدل الحوار، وعلى التجريم بدل الاستيعاب. هؤلاء ليسوا استثناءات، بل إشارات تحذير موجهة إلى الجميع: كل من تجرأ على فضح الفساد، أو انتقاد السلطة، أو المطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية، فليستعد لدخول دائرة القمع، بشكل أو بآخر.

لكن الأخطر من المعتقلين داخل الزنازين، هم الملايين خارجها: عاطلون، فقراء، مهمشون، محاصرون اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا. مواطنون لا يُعتقلون رسميًا، لكنهم مسجونون بالخوف، بالهشاشة، بانسداد الأفق، وبالقمع غير المرئي. سجن اسمه: التضييق، وسجّانه هو السلطة حين تجرّم السياسة وتُفرغ المواطنة من معناها.

التجويع كأداة حكم

لم يعد القمع في المغرب يقتصر على الهراوات والمحاكمات، بل اتخذ شكلاً أكثر خبثًا: التجويع. حين يصبح الحد الأدنى من شروط العيش الكريم حلمًا بعيد المنال، وحين تتحول الصحة والتعليم والسكن إلى امتيازات، لا حقوق، فإن الدولة تكون قد أعلنت حربًا صامتة على شعبها.
الفقر ليس قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة سياسة. والهشاشة ليست حادثًا عرضيًا، بل خيارًا ممنهجًا لضبط المجتمع. المواطن الجائع لا يحتج، والمهمش لا يملك ترف السياسة، والخائف لا يرفع صوته. هكذا يُدار السجن المفتوح: بلا أسلاك شائكة، لكن بقيود أشد إحكامًا.

الهجرة… كابوس النظام

في هذا السياق، تكتسب مسألة التأشيرة مع إسبانيا معناها الحقيقي. فحين يُتداول أن الجارة الشمالية تفاوضت من أجل إلغاء التأشيرة عن المغاربة، ويُقابل ذلك برفض مغربي دون تبرير مقنع، فإن الأمر لا يبدو قرارًا سياديًا بقدر ما هو سياسة حصار.
النظام لا يخشى سفر المواطنين، بل يخشى هروبهم الجماعي. لأن رفع التأشيرة سيكشف الحقيقة التي تُخفيها خطابات “النموذج التنموي” و”الإنجازات الباهرة”. الحقيقة البسيطة: لو فُتحت الأبواب، لخرج الملايين.
لنتخيل فقط، ولو على سبيل الفرض، أن عشرة ملايين مغربي قرروا الهجرة دفعة واحدة. ماذا سيحدث؟
• موانئ مكتظة.
• مطارات مشلولة.
• صور صادمة تجوب العالم.
• دولة “مستقرة” يفر شعبها منها.
أي دعاية ستصمد أمام هذا المشهد؟ أي خطاب رسمي سيقنع الرأي العام الدولي بأن المغرب “قصة نجاح” بينما مواطنوه يصوتون بأقدامهم ضد هذا النجاح؟

الحارس بدل الشريك

هنا يتضح الدور الحقيقي الذي أُسند للمغرب: حارس حدود لا أكثر. شريك أمني لأوروبا، يمنع تدفق المهاجرين، ولو على حساب كرامة مواطنيه. فالمواطن المغربي لم يعد يُنظر إليه كإنسان له حق التنقل، بل كـ”خطر محتمل” يجب احتواؤه داخل حدوده.
وهكذا يكتمل مشهد السجن المفتوح:
• الداخل مقموع.
• الخارج مغلق.
• البحر مراقب.
• الحلم مجرّم.

من يحرس من؟

المغرب اليوم لا يحرس حدوده فقط، بل يحرس سجنه الكبير. نظام يخشى شعبه أكثر مما يخشى أعداءه، ويثق في القمع أكثر من ثقته في العدالة، ويستثمر في الأمن بدل الاستثمار في الإنسان.
لكن التاريخ علّمنا شيئًا واحدًا: لا سجن يدوم. قد تتأخر لحظة الانفجار، وقد تُؤجل بالمخدرات الإعلامية وبالقوة، لكنها لا تُلغى. فالشعوب قد تصمت طويلًا، لكنها لا تنسى. والسجون المفتوحة، مهما اتسعت، تبقى سجونًا… ومصيرها الانهيار.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي