زلزال لشبونة الذي انجب التنوير

احمد عناد
2026 / 1 / 29

لماذا أنجبت الكارثةُ التنوير هناك… وأنجبت عندنا مزيدًا من الظلام؟

حين ضرب زلزال لشبونة عام 1755، في يوم ديني مقدّس، لم يكن الحدث مجرّد كارثة طبيعية، بل زلزالًا في الوعي الأوروبي.
سقطت الكنائس فوق رؤوس المصلّين، واحترقت المدن، وتهاوى السؤال اللاهوتي البسيط: «لماذا؟».
من تلك الفجوة وُلد السؤال الأخطر: كيف نفهم العالم؟ ومن يملك حق تفسيره؟

هنا لم تُقدَّس الكارثة، بل خضعت للعقل.
ومن هنا بدأ التنوير: حين قرّر الإنسان الأوروبي أن يخرج من الوصاية، لا على الله، بل على فهمه لله.

كانط: الشجاعة الأخلاقية للعقل

بعد لشبونة، سيكتب إيمانويل كانط عبارته الشهيرة عن التنوير:
أن يكون الإنسان راشدًا، أي قادرًا على استخدام عقله دون وصاية.

التنوير عند كانط لم يكن حربًا على الإيمان،
بل تحريرًا للعقل من الكسل والخوف.
فالمشكلة لم تكن في السماء، بل في الإنسان الذي سلّم مفاتيح تفكيره لغيره.

الكارثة لم تُنتج كانط،
لكنها كسرت آخر الحواجز أمام السؤال الذي كان ينتظر لحظة الانفجار.

ابن رشد: التنوير الذي خُنق مبكرًا

المفارقة المؤلمة أن عالمنا العربي عرف ابن رشد قبل كانط بقرون.
رجل قال بوضوح:
لا تعارض بين العقل والنقل،
وأن فهم النص لا يكون إلا بالعقل.

ابن رشد لم يكن ملحدًا ولا متمرّدًا،
كان مؤمنًا عميقًا… لكن إيمانه لم يكن خائفًا من السؤال.

ومع ذلك، حُورب، نُفي، وأُحرقت كتبه.
العقل الذي كان يمكن أن يؤسس نهضة كاملة،
قُدِّم قربانًا للخوف والسلطة والجمود.

أوروبا قرأت ابن رشد…
بينما نحن دفنّاه.

شريعتي: قراءة النص بروحه لا بقشرته

في القرن العشرين، حاول علي شريعتي أن يستعيد جوهر التنوير من داخل النص الديني نفسه.
قرأ السيرة لا كحكاية مقدّسة جامدة،
بل كمشروع تحرّر إنساني.

فهم الدين كحركة وعي، لا كترسانة فتاوى.
ورأى أن الخطر ليس في الدين، بل في تحويله إلى أداة تخدير.

شريعتي لم يفصل العقل عن الإيمان،
بل حرّر الإيمان بالعقل.
ولهذا، كما ابن رشد، أُسيء فهمه، وحُورب، واتُّهم.

لماذا فشلنا نحن؟

لأننا كلما جاءت نكبة:
• أعدنا إنتاج الخطاب ذاته
• لجأنا للتبرير الغيبي السطحي
• خوّنا السؤال، وقدّسنا الجهل

بينما في الغرب، الكارثة كانت بداية مساءلة شاملة:
للسلطة، للدين، للعلم، وللعقل ذاته.

الفرق لم يكن في حجم الألم،
بل في الاستجابة الفكرية له.

المثقف العربي: المسؤول الغائب

المثقف العربي، في الغالب، لم يكن وريث ابن رشد،
ولا امتدادًا لشريعتي،
بل شاهدًا صامتًا.

خاف من كسر السائد،
أو اكتفى بلغة رمادية لا تُغضب أحدًا.

فالتنوير يحتاج شجاعة أخلاقية،
لا بلاغة لغوية.

في الخاتم

التنوير لا يولد من الزلازل ولا من الحروب،
بل من إنسان يملك شجاعة السؤال بعد الكارثة.

أوروبا امتلكت تلك الشجاعة،
ونحن امتلكنا الخوف.

ولهذا، كل نكبة عندهم كانت خطوة للأمام،
وكل نكبة عندنا… كانت عودة للخلف.