ومضة ضوء :اختطاف سلفانا: اختبار أخلاقي لدولة كاملة

محمد سعد خير الله
2026 / 1 / 29

تخيّلوا معي: فتاة تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، تعاني من تأخر عقلي يجعل تصرفاتها لا تتجاوز عمر سبع سنوات، يتم اختطافها، وتُترك أسرتها عاجزة عن استعادتها بسبب مسلسل من التجاوزات المؤسسية التي تتعلق بخطف الفتيات القبطيات القاصرات وإجبارهن على الإسلام قسريًا. وبحسب عريضة الدعوى الرسمية، فقد تعرّضت القاصر سلفانا عاطف فانوس للاختطاف من مسكن أسرتها بتاريخ 28/10/2025، على يد أحد الأشخاص "أتحفظ على ذكر اسمه"، ولدي صورة من الدعوى الرسمية المتداولة أمام القضاء، وتم احتجازها في مكان مجهول، ومنع التواصل معها، وحرمانها من وجود وليها الطبيعي، بما يشكّل خطرًا مباشرًا على حياتها وسلامتها النفسية والجسدية. وعلى الرغم من تقديم الأسرة جميع الإجراءات القانونية اللازمة، ورفع بلاغات وشكاوى للنيابة العامة، وطلب أمر وقتي لتسليم القاصر لوليها الشرعي، إلا أن هذه الطلبات قوبلت بالرفض دون أسباب جدية، رغم توافر حالة الخطر العاجل.

يتولى متابعة القضية والدفاع عن حقوقها فريق قانوني منهم المحامي ماجد يونان، الذي يؤكد أن استمرار احتجاز القاصر على يد الخاطف دون تدخل الجهات المختصة يشكّل امتناعًا سلبيًا يهدد حياتها واستقرارها، الأمر الذي يبرر اللجوء إلى القضاء المستعجل، إذ إن الضرر لا يحتمل التأخير.
سلكت أم سلفانا، السيدة مريم، وزوجها عاطف، كل السبل التي يمكن أن تتخيلوها، بدءًا من فيديوهات المناشدة لكل جهات الدولة، وانتهاء بالوقفات الاحتجاجية على ما يحدث، وكأن كل ما يقومان به موجّه إلى مسؤولين في دولة أخرى غير مصر.

تمت أمس الأول، الأحد 25 يناير، استضافتي في قناة المرصد القبطي الخاصة، والتي يديرها الإعلامي مجدي جورج من إحدى البلدان الأوروبية، للحديث عن ذكرى مرور خمسة عشر عامًا على حراك يناير في مصر. الفقرة التي قبلي مباشرة هي لوالدة سلفانا ووالدها عاطف للحديث عن معاناتهم الكارثية، قبل أيام من نظر الدعوى أمام المحكمة في الثامن والعشرين من يناير الجاري. سمعت، ما يجعل الأحجار تبكي، من الأم والأب الملكومان، ومع كلامها لم أتمالك دموعي التي انهمرت لمجرد أن تخيلت للحظة أنني في مكانهما.
قالت الأم حرفيًا انقل بالنص" يا سيادة الرئيس رجع لي بنتي. كمواطنة من حقي أن تعيد لي بنتي لم نعد نشعر بالأمان في مصر التي تقولوا عنها بلد الأمن والأمان احنا كنا في صيام ولم نعرف لعيدنا فرحة لم نحتفل بالعيد رجعوا لنا بنتنا بحكم المحكمة يوم الأربعاء، بنتي حتة مني، دي طفلة مريضة وقاصر، مش كتير علي يا سيادة الرئيس يا قداسة البابا ترجعوا لي بنتي لو مت ذنبي في رقبة السيسي وقداسة البابا انا كل يوم في المستشفى بسبب أن حالتي الصحية من الضغط والسكر في انهيار أخوات سلفانا احنا خايفين عليهم ونخشى من أن يذهبوا لمدارسهم لذلك قاعدين في البيت أختها الكبيرة قعدت من الجامعة، وأخوها كرولوس قعد من المدرسة كفاية ظلم ومرار ،لن أتعب أبدا الا لما يدخلوني القبر .
أما أب سلفانا، عاطف، فقال من ضمن حديثه:"كل يوم ورق واستغاثات لكل مكان، فين الرحمة؟ احنا مش شايفين أي رحمة. لقد كلفت أربعة محامين عشان يتكفلوا بإعادة ابنتي لي".
تنويه: يتعرض أقباط مصر لصنوف مروعة من الظلم والإقصاء والتمييز والعنصرية والتضييق، وعلى المستوى الشخصي، أنا غير مندهش من ذلك؛ إذ أن النظام العسكري السلطوي الحاكم في مصر داعشي الهوى منذ عقود، قام بعمل تطهير عرقي لقرابة 85 ألف يهودي مصري، تبقى منهم الآن أقل من عشرة في مصر، ولم يدفع فاتورة ذلك، مما شجعه على التكرار بأشكال متعددة مع الأقباط.

((الخاتمة))
قضية سلفانا ليست مجرد قصة رأي عام، بل اختبار أخلاقي لدولة كاملة. طفلة تُختطف، ويقول خاطفها: ((لقد أسلمت وأصبحت زوجتي، ليس لكم شأن بها)). إنه لقمة العبث أن يصبح الدين، أي دين، سلاحًا لاستباحة الأطفال وكأنهم سبايا. الأسرة تُسحق، والعدالة ما زالت معلّقة… فإلى متى؟ وهل وصلنا إلى مرحلة نطلب فيها أن يكون التوحش بقدر معقول؟ صلّوا معي صلاة الإنسانية، من أجل أن تعود الطفلة البرئية إلى حضن أسرتها يوم الأربعاء، ولتتوقف مآسي الأطفال الأبرياء قبل أن تتكرر قصص كهذه مرة أخرى.
تنويه أخير: يُنشر هنا، وحصرًا في الحوار المتمدن، النص العربي للمقال الذي نُشرت نسخته الإنجليزية أمس الأول، الثلاثاء الموافق 27 يناير 2026، في صحيفة تايمز أوف إسرائيل بنسختها الإنجليزية.
**أما الحكم، فقد صدر أمس فضائحيًا ومن العيار الثقيل؛ إذ قضى قاضي محكمة الأمور المستعجلة بعدم الاختصاص، رغم أن سلفانا قاصر وتعاني من اضطراب طيف التوحّد (ASD) كما أشرت في سطور مقالي .
عدم اختصاص؟
والقاصي والداني يعلمان، وبشكلٍ مؤكد وموثّق، أنها اختُطفت؛ بل إن ذلك ثابت حتى في أوراق الدعوى ذاتها.
عدم اختصاص؟
وقد أُجبرت على اعتناق الإسلام قسرًا، وتم تزويجها بالإكراه من المجرم الخاطف.
عدم اختصاص؟ وهناك خطر داهم، معلوم ومعروف، على حياة طفلة لم تتجاوز السابعة، وفقًا للتوصيف الطبي الدقيق لحالتها.
**في خطابٍ للسيسي، مندوب جمهورية العساكر داخل قصر الاتحادية، في ذكرى المولد النبوي قبل أشهر، قال وأكّد إن مصر تمضي في بناء دولة تستند إلى (القيم المحمدية). ومن الثابت تاريخيًا أن سبيّ النساء، وملك اليمين، واستباحة أعراض غير المسلمين كانت من ممارسات تلك القيم.
وهنا يصبح السؤال واجبًا وملحًّا:
فهل تتحوّل الطفلة المختطفة سلفانا، في ظل دولة تعلن تبنّي "القيم المحمدية"، إلى غنيمة مشروعة يستمتع بها الخاطف داخل منظومة تخلط بين السلطة والدين، وتمنح المجرم حصانة باسم العقيدة؟
سأتناول هذه الفضيحة بتوسّع في مقالٍ قادم.
#انقذوا_أقباط_مصر

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر