|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

زكريا كردي
2026 / 1 / 29
تدور هذه المرة حول قراءتي الخاصة في رواية " ألكسندر دوما " الكونت دي مونت كريستو"،
الرواية الشهيرة والهامة ، التي تبدو في ظاهرها ملحمة انتقام، لكنها في عمقها، عبارة عن مآساة تذخر بتأملات طويلة، وإمعان فريد ، في مدى هشاشة الإنسان،
حين يُلقى فجأة ، وحيداً في مواجهة خطوب غامضة، و قدرٍ غريب، لا يستطيع أن يفهم سيرته، أو يُدرك عبرته ..
لقد رأينا كيف أن البطل "إدموند دانتيس" لم يُسجن جسديا بقسوة فحسب، بل سجن وعيه أيضاً ، داخل سؤال واحد ظل يردده :
كيف يمكن للعالم أن يسمح بالظلم ، وبانهيار البراءة بهذه السهولة.؟!
وشهدنا في ظلمات السجن ، كيف مات ذاك الشاب البسيط ، وولد كائن جديد تماماً ، لا تحركه الرغبة في استمرار الحياة، بقدر ما تحركه الحاجة الملحة إلى إعادة كتابة ميزان الكون بيده .
وهنا بالضبط ، تبدأ - في تقديري - المعضلة :
أي حين يحاول الإنسان أنْ يُصبح قاضياً مطلقاً بديلاً عن قضاء القدر وحكمته ..
ومن ذلك ، يتخلق في الذهن السؤال :
هل يا ترى سيظل الإنسان إنساناً إن فعل ذلك، أم سينقلب إلى وحش قاس وظالم آخر جديد .؟!
نعم ، ربما الانتقام الذي يتخذه دانتيس يعتبر مشروعاً وجوديا، لكنه في الواقع لم يعد إليه ذاته الأولى، بل خلق منه ذاتا أخرى، لربما هي أكثر صلابة وقسوة ، لكنها أيضا أكثر بعداً عن مزايا وعواطف ورحمة الإنسان الذي كان عليه..
وقد رأينا كيف أنه مع كل خطوة كان يخطوها نحو القصاص ، كانت تتكشف امامه حقيقة أن العدالة ، حين تُنتزع بالقوة العمياء الغاشمة تفقد نقاءها،
وأن الإنسان حين يظن أنّه يمسك بخيوط المصير والنهاية، يكتشف أنه يصنع شبكة جديدة من الألم و البدايات المرعبة.
كما أن سقوط أعدائه أمامه الواحد تلو الآخر ، لم يرمم سنواته الضائعة، ولم يُعد إليه حبه الأول، ولم يملأ الفراغ الذي تركته الخيانة في داخله.
وبالتالي وصل إلى حقيقة تقول له بأن الزمن الذي سُرق منه لن يُستعاد، والجرح الذي تشكّل في أعماقه لم يلتئم بمجرد سقوط من تسببوا فيه.
ومع ذلك، لا تنتهي الرواية عند حدود المأساة، بل تفتح بابا آخر : الا وهو
باب الوعي... فحين يرى دانتيس أن انتقامه ، رغم حذره الشديد ودقته ، قد أصاب أبرياء وظلم أشخاصاً لم يكن يقصدهم ، يُدرك حينها ، أن العدالة التي تُمارَس بلا رحمة تتحول إلى ظلم جديد..
هنا يتعرّى أمام ذاته، ويكتشف أن القوة المفرطة التي ظنها خلاصاً أكيداً، ليست سوى قناع يخفي هشاشته.
فكل المعرفة التي اكتسبها، والثروة التي جمعها، والهوية الجديدة التي صنعها، اتضح انها مجرد أدوات ، ولم تمنحه السلام الداخلي الذي يسعى إليه وينشده.. بل و ليدرك أخيراً ، بأن السلام لا يأتي من السيطرة، بل من القدرة على ترك الماضي يمضي دون أن يتحول إلى لعنة.
قصارى القول "
في تقديري، ان أغلب الأفهام القارئة لهذه الرواية الرائعة ، لو تمعنت قليلاً قس سياق احداثها وحواراتها، ستصل إلى خلاصة فلسفية عميقة :
وهي أن الإنسان لا يملك أن يغيّر الماضي، لكنه يملك أن يغيّر علاقته به.
وأن العدالة التي قد يبحث عنها المرء طوال حياته ، ليست في سقوط الآخرين، بل في تحرره من ثقل الجرح وعبء الكراهية الذي ألم به.
لذلك تبدو وصية دانتيس الأخيرة ، " انتظر… وتأمّلْ "، - في تصوري ليست مجرد كلمات ، بل دعوة إلى الإيمان بأن الزمن ، لا الانتقام ، هو الذي يملك القدرة على إعادة التوازن إلى روح الانسان .. وإشارة صادقة منه ، إلى أن نرى في الألم درساً ، وفي الخسارة بداية ، وفي الرحمة شكلاً أعلى من أشكال القوة أيا كانت..
zakariakurdi
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |