من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين

مظهر محمد صالح
2026 / 1 / 29

في اكتظاظٍ هادئ لطوابير المارّة على أرصفة الحي الذي يشكّل قلب طوكيو، توقّفت أتأمّل صخرةً صغيرة نُقِش عليها باليابانية والإنكليزية: من هنا يتحدّد الوقت، وتصفّر الساعات.
سألت الدليل السياحي عن الفارق الزمني بيننا وبين نيويورك، ونحن في أقصى الشرق. قال: ساعتان… اختصارًا… ثم ابتسم. أدركت من ابتسامته أن فرق الوقت في الحقيقة أربع عشرة ساعة، وأن للوقت هنا لغته الخاصة ، فالليل نهار ، والنهار ليل بين نصفي الارض ، والاختلاف ليس في الزمن ذاته بل في عقارب الساعات.

غادرت تلك الصخرة، التي اتخذت موقعها في توقيت العالم، لأواجه عربةً يابانية صغيرة ذات عجلتين، يسحبها شاب مفتول البنية، مشدود العضلات، يرتدي اللباس التقليدي الياباني، وتعلو رأسه قبعة سوداء تشبه قبعة نابليون في حروبه وسألته:
— هل يمكن ارتياد هذه العربة أيها الشاب؟
ابتسم وقال:
— نعم، إنها عربة سياحية لأغراض الترويج، وتتبع بلدية العاصمة.

سار بي لمسافة معلومة، ثم أعادني إلى نقطة البداية. شكرته وسألته عن اسم هذه العربة، فأجابني فورًا:
— تُسمّى «الريكشا»، وبالتحديد في اليابان نطلق عليها رسميًا «جينريكشا».

ثم أخذ يشرح لي بالإنكليزية: إنها عربة تقليدية ذات عجلتين، تُسحَب يدويًا بواسطة شخص، ويجلس فيها راكب أو اثنان، وما زالت تُستخدم سياحيًا في أحياء طوكيو التاريخية مثل أساکوسا، وحول المعابد، وأماكن أخرى.

سألني من أي البلاد أنت ، قلت له: من بلاد الرافدين، في شرق المتوسط.
توقّف لحظة وقال:
— نعم… لقد عملت في العراق ، وقبل أن أحدثك عن ذلك، اسم هذه العربة جميل الدلالة بذاته (Jinrikisha) والتي تعني :
Jin الإنسان
Riki القوة
Sha العربة
أي: عربة بقوة الإنسان

قلت له ، إذاً الجينريكشا ليست مجرد وسيلة نقل، بل تحمل رمزية ثقافية عميقة في الوعي الياباني.
أجابني بهدوء:
نعم، ويمكن قراءتها من أربع زوايا متداخلة.

أولها: جسر بين زمنين… حداثة بلا قطيعة.
في بلد يُعدّ من أكثر مجتمعات العالم تقدّمًا تكنولوجيًا، تبدو الجينريكشا مفارقة مقصودة ، فهي بقايا حيّة من عصر ميجي ، لا تُركَن في المتاحف، بل تمشي في الشوارع ، فالتقدّم لا يعني محو الماضي بل حمله معنا بأدب.

ثانيها: تكريم الجسد الإنساني كأداة عمل شريفة.
فالرجل الذي يسحب العربة ليس عاملًا بسيطًا في المخيال الياباني، بل رمز للانضباط الجسدي، والالتزام، والتفاني في الخدمة. إنها امتداد لفكرة (البوشيدو) خارج ساحة القتال: قوة بلا استعراض، وجهد بلا شكوى، مضبوطان بإيقاع داخلي. إذ ما زالت فكرة البوشيدو (Bushidō) في اليابان تعني حرفيًا «طريق المحارب»، وهي منظومة أخلاقية–سلوكية نشأت تاريخيًا لتنظيم حياة الساموراي، لكنها تحوّلت لاحقًا إلى قيمة ثقافية عامة أثّرت في الشخصية اليابانية الحديثة، حتى خارج السياق العسكري. ويقوم جوهر البوشيدو على أن القوة ليست غاية بحد ذاتها، بل مسؤولية أخلاقية منضبطة.

ثالثها: علاقة إنسانية مباشرة في عالم آلي.
ففي مدينة تحكمها القطارات فائقة الدقة، والأنظمة المؤتمتة، والشاشات الذكية، تخلق الجينريكشا لحظة إنسانية خالصة ، نظرة، حديث، وإيقاع مشترك بين الساحب والراكب. إنها مقاومة ناعمة لبرودة الآلة، وتذكير بأن المدينة ليست بنية تحتية فقط، بل علاقة إنسانية حيّة.
وأخيرًا ، انها مسرحة الذاكرة والهوية.
ففي السياق السياحي، لا تُقدَّم الجينريكشا كوسيلة نقل، بل كعرض ثقافي، وسرد متحرّك للتاريخ، وتمثيل أدائي للهوية. أدركت بصمت أن ذلك الشاب يبدو مدرّبًا على الحكاية، واللغة، والإتيكيت ، كأنه راوٍ يسحب الذاكرة على عجلتين.

عدت إليه وسألته: ماذا كنت تفعل في بلادي، وأين، ومتى؟
اجابني مبتسما بصمت صارخ ، كنت ضمن وحدة غير قتالية جاءت إلى العراق في العام 2003، واستقرّت في مدينة السماوة. ولكوني أحد الذين أدّوا الخدمة العسكرية خارج اليابان منذ سقوطها في الحرب العالمية الثانية، كوفئت بعد التسريح بوظيفة مدنية سياحية، تنسجم مع أدائي لواجبي السلمي غير القتالي في بلادكم الجميلة، ولا سيما السماوة… مدينة النخيل، وطيبة أهلها، وجمال نهرها.

أدمعت عيناي على بلادي، وتذكّرت أننا نحن من اخترع العجلة قبل سبعة آلاف عام. هناك، سمعت صوت الجينريكشا في اليابان يقول وبصمت تاريخ سومر، حيث حطّت قدما ذلك الشاب على أقدم حضارة عرفها الإنسان في جنوب العراق :
(نحن أمة تمشي إلى المستقبل، لكن بخطى تحترم أثر العجلة الأولى في بلاد الرافدين)

غادرت الرجل في قلب طوكيو، حيث تنساب عجلات القطارات كنبضٍ إلكتروني لا يخطئ، وتمرّ الجينريكشا ببطءٍ مقصود، كأنها تذكير صامت بأن الزمن لا يُلغى بل يُحمَل. رجلٌ يسحب عربةً بقوة جسده، لا استعراض فيها ولا شكوى، بل انضباط يشبه طقسًا يوميًا لاحترام العمل والذاكرة. هنا، لا تُؤدَّى الهوية بوصفها حنينًا، بل تُمارَس كحركة واعية: عجلتان تسحبان التاريخ، وخطواتٌ تقول إن التقدّم الياباني لم يقطع مع ماضيه، بل اصطحبه معه بأدب.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي