نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها

كرم نعمة
2026 / 1 / 27

لم يكن نوري المالكي يوماً حلاً للعراق، لا في سنوات حكمه الثماني، ولا في العقد الذي تلا سقوطه، ولا في أي لحظة من لحظات الانهيار التي عاشتها البلاد منذ 2003. الرجل كان دائماً جزءاً من المشكلة، لا من معادلة الحل. واليوم، مع تصاعد الحديث عن احتمال عودته إلى رئاسة الحكومة، تبدو البلاد وكأنها تُساق عمداً إلى إعادة تشغيل المأساة من جديد، وكأن 22 عاماً من تجارب الفشل والفساد المريرة لم تكن كافية لإقناع الطبقة السياسية بأن الخراب لا يُعاد تدويره. إن عودة المالكي ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل انتكاسة تاريخية تعيد العراق إلى المربع الأول، إلى اللحظة التي انطلقت منها كل أزماتنا: الطائفية، الفساد، انهيار الدولة، وصعود تنظيم داعش.
تسنى لي الاطلاع على دراسة أميركية محدودة التداول صدرت هذا الأسبوع تقدّم صورة دقيقة عن حجم الكارثة التي قد تنتظر العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.
تقول الدراسة: “المالكي لم يعد يمتلك المكانة التي كان عليها، وتحالفاته اليوم هي نتاج ضغط إيراني لا قوة ذاتية.” وهذه الجملة وحدها تكفي لفهم طبيعة المشهد: رجل يعود لا لأنه قادر، بل لأنه مطلوب من قبل إيران وميليشياتها في العراق. يعود لا لأنه يمتلك مشروعاً، بل لأنه جزء من مشروع أكبر منه. يعود لأنه الحلقة الأضعف في سلسلة النفوذ الإيراني، ولأن طهران تريد نسخة يمكن التحكم بها، لا زعيماً يملك إرادة مستقلة. وهذا وحده يجعل عودته وصفة جاهزة لانفجار جديد، لأن العراق لا يحتاج إلى رجل ضعيف يحمل غريزة انتقام طائفي، بل إلى دولة قادرة على حماية نفسها من أمثاله.
بالنسبة للعراقيين، المالكي ليس مجرد سياسي، بل رمز لمرحلة سوداء. تقول الدراسة: “يمثل المالكي نموذج الدولة الانتقامية التي مارست الإقصاء تحت شعار اجتثاث البعث وارهاب السنة.” وهذه ليست مجرد ملاحظة أكاديمية، بل شهادة على جرح لم يلتئم. فعودة المالكي تعني عودة الإقصاء، وعودة الخطاب الطائفي، وعودة الشعور بأن الدولة ليست للجميع. وهذا وحده كفيل بإعادة السنة إلى خيارات ثلاثة: الانسحاب، المقاطعة، أو الانفجار. وكلها خيارات تعيد إنتاج 2013 و2014، اللحظة التي سبقت صعود داعش. المالكي لا يفهم أن الإقصاء لا يصنع دولة، بل يصنع وحشاً ينتظر الفرصة ليخرج من تحت الركام.
أما الأكراد، فهم يعرفون المالكي جيداً. يعرفون تقلبه، ووعوده التي لا تُنفذ، وصدامه الدائم مع ملفات النفط والحدود. تقول الدراسة: “عودة المالكي قد تدفع الأكراد مجدداً نحو خيار الاستقلال.” وهذا ليس تهويلاً، بل قراءة واقعية لتاريخ العلاقة بين بغداد وأربيل. فالرجل الذي فجّر أزمة 2014 مع الإقليم، ودفع الأكراد إلى الاستفتاء في 2017، قادر تماماً على إعادة فتح الجرح نفسه. المالكي لا يفهم أن العراق لا يمكن أن يُحكم بمنطق المركز المتغوّل، وأن الأكراد لن يقبلوا العودة إلى زمن التهديد والابتزاز السياسي.
حتى داخل الإطار التنسيقي الذي تنضوي تحته الأحزاب والميليشيات الولائية، المالكي ليس “زعيم مرحلة”، بل عبء مرحلة. تقول الدراسة: “عودة المالكي ستؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات وتوترات شيعية-شيعية قد تصل إلى المواجهة المسلحة.” علينا هنا أن نتذكر أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مازال يعيش ضغينة الكراهية والانتقام من المالكي بعد أن حاربه أولا وحرمه ثانيا من تشكيل الحكومة بعد فوز تياره بالانتخابات السابقة.
وكل ذلك توصيف دقيق لطبيعة المالكي داخل بيئته. فهو خصم شرس للتيار الصدري، وعدو لجيل تشرين، ورمز للفساد والتبعية لإيران. عودته ستعيد إشعال خطوط التماس داخل الطائفة نفسها، وستحوّل بغداد إلى ساحة صراع بين فصائل لا يجمعها سوى العداء المتبادل. المالكي لا يفهم أن الشيعة اليوم ليسوا شيعة الأمس الخاضعين لخرافة حكم المذهب، وأن جيل تشرين لا يمكن أن يقبل بعودة رجل يمثل أسوأ ما في النظام السياسي.
تكشف المؤشرات المتاحة أيضاً أن إيران لا تريد المالكي لأنه قوي، بل لأنها تريد نسخة ضعيفة منه يمكن التحكم بها. “إيران تدفع المالكي إلى الواجهة بشرط أن يبقى ضعيفاً وتحت إشرافها.” وهذا يعني أن عودته ليست قراراً عراقياً، بل جزء من مشروع إيراني لإعادة ضبط نفوذها بعد تراجعها الإقليمي. المالكي بالنسبة لطهران ليس زعيماً، بل أداة. رجل يمكن استخدامه لتمرير ما لا يستطيع غيره تمريره. رجل يمكن التضحية به عندما تنتهي مهمته. وهذا وحده يجعل عودته خطراً على العراق، لأن البلاد لا تحتاج إلى رئيس وزراء يعمل كوكيل سياسي لدولة أخرى.
المنطقة كلها ستدفع الثمن إذا عاد المالكي. تقول الدراسة: “عودة المالكي ستدفع السعودية والامارات إلى تجميد استثماراتها، وتركيا إلى التصعيد العسكري، والولايات المتحدة إلى فرض عقوبات.” وهذا يعني أن العراق سيدخل في عزلة إقليمية ودولية جديدة، تماماً كما حدث في سنواته السابقة. المالكي لا يفهم أن العالم تغيّر، وأن العراق لا يستطيع أن يعيش في عزلة، وأن الاقتصاد لا يمكن أن ينهض في ظل صدام مع كل القوى الإقليمية والدولية.
هناك أربعة سيناريوهات محتملة لعودة المالكي، وكلها قاتمة: حكومة ضعيفة محاصرة تنهار خلال عامين؛ عودة العنف الطائفي وصدامات شيعية–شيعية وسنية–شيعية؛ مصالحة وطنية مستحيلة لا تتوافق مع تاريخه؛ أو توافق دولي خادع يقود إلى صراع إقليمي طويل. وكل سيناريو من هذه السيناريوهات ليس مجرد احتمال، بل امتداد طبيعي لتجربة الرجل في الحكم. المالكي لا يفهم أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأن العراق الذي تركه في 2014 ليس العراق الذي سيعود إليه اليوم.
الخلاصة أن عودة المالكي ليست مجرد خطأ سياسي، بل خطيئة تاريخية. إنها إعادة إنتاج لمرحلة صنعت داعش، وشرعنت الميليشيات، وعمّقت الانقسام، ودفعت العراق إلى حافة الانهيار. العراق اليوم بحاجة إلى دولة، لا إلى زعيم يعيش داخل كذبة صنعها بنفسه. بحاجة إلى مشروع وطني، لا إلى رجل يعاني من غريزة كراهية طائفية ضد أغلبية شعبه. بحاجة إلى مستقبل، لا إلى إعادة بثّ شريط قديم دمّر البلاد. إن عودة المالكي ليست خياراً، بل عودة إلى الصفر، إلى المأساة التي ظنّ العراقيون أنهم تجاوزوها، فإذا بها تعود بوجه أكثر هشاشة، وأكثر خطراً، وأكثر قدرة على تفجير ما تبقى من الدولة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي