مقدمة كتاب الأستاذ بسام ضو -غليان استراتيجي-

عبد الحسين شعبان
2026 / 1 / 27

أكاديمي ومفكّر عربي

لعلّ اختيار الكاتب والصحافي واللّغوي بسّام ضو عنوانًا لكتابه الجديد "غليان استراتيجي" فيه أكثر من دلالة وهدف.
أوّلها - بقدر ما في العنوان من دقة في التعبير وغموض في المعنى ففيه أيضًا موسيقيةً في اللفظ، إذْ أن الكتاب يحثنا لقراءة تاريخ المنطقة وجغرافيتها السياسية، وأهم إشكالياتها ومشكلاتها الحياتية، وبعضها مصيريًا، لا باعتبارها جزيرةً معزولةً، بقدر ما هي متّصلة ومترابطة، بل ومشتبكة مع بقية مناطق العالم، تتأثّر بكلّ ما يجري حولها.
لقد واجهت منطقتنا العربية منذ مطلع القرن العشرين تحدّيات كبرى، لعلّ من أهمها اتفاقية سايكس - بيكو (1916)، التي نشرها الباحث بنصّها في فقرة خاصة بالملاحق ليطّلع القارئ العربي عليها، والتي تضمنّت مسعى الكولونياليتين البريطانية والفرنسية ومعها روسيا القيصرية لتقسيم البلاد العربية، وما تزال الأمة العربية تواجه ذات المشاكل التي تتعلّق بالتحرّر والحريّة والتنمية.
واتّخذ المشروع الكولونيالي الجديد شكلًا أكثر خطورةً بعد قيام الكيان الصهيوني في 15 أيار / مايو 1948، والذي أصبح منذ ذاك الحين قاعدةً متقدّمةً له، ساهمت في تعطيل التنمية وعرقلت الإصلاح المنشود وقادت عمليًا إلى عسكرة البلاد العربية بسبب العدوان المتكرر عليها. وما يزال المشروع الكولونيالي يظهر بموديلات جديدة، منها ما هو أكاديمي، كما هو مشروع برنارد لويس العام 1979، والذي أقرّه الكونغرس الأمريكي في جلسة سريّة في العام 1983، ومنها ما هو سياسي مباشر، حمل عنوان مثل "الشرق الأوسط الكبير" و "الشرق الأوسط الجديد" ومشاريع التطبيع المختلفة. ويتوقّف بسام ضو لمناقشة هذه المشاريع في مباحث مختلفة من كتابه.
وثانيها - أن الباحث لا يدرس الظواهر ويحلّل الوقائع فحسب، بل يقدّم رؤية استراتيجية لمآلات الغليان الاستراتيجي، الذي يهدّد بالانفجار في أيّ لحظة، متخّذًا موقفًا ينسجم مع طموحات الأمة العربية وتطلّعاتها التقدّمية في التحرّر والتنمية المستدامة بجميع حقولها، وهو إذْ يفعل ذلك لا يخرج عن معايير البحث التي تحتاج إلى صرامة، بل أنه يخضع نفسه لصرامة شديدة أخرى فيما يتعلّق بمصالح أمته وتحرّرها.
يحاول بسام ضو استنباط مواقفه من الحقائق والوقائع دون انحيازات ضيّقة مسبقة أو جاهزة، بل ينطلق من رؤية تقدمية واضحة دون لبس أو غموض أو إبهام، محاولًا مناقشة وتفكيك ما يتعارض معها، وخصوصًا ما يتعلّق بالرؤية الاستعلائية الغربية المركزية.
وثالثها - يمتاز كتاب بسام ضو بلغة سلسة وأسلوب شائق أقرب إلى السهل الممتنع، فهو يستخدم المصطلحات والمفاهيم والأفكار السياسية ضمن منهجية دقيقة، بحيث يشبعها بدلالاتها ومعانيها بما يظهر جوهر الفكرة ويمنحها أبعادًا عديدةً، ويتهيأ لي أن وقع ما ورد فيه سيكون مؤثرًا على المتلقّي بما فيه تعميق وعيه، وتعطيه فرصةً للتفكير والتأمل وتقليب المواقف، وهذا لعمري هو الأهم للتنوير والتغيير في سياق انتاج معرفة سياسية قادرة على محاكاة الواقع واستشراف آفاق المستقبل.
الكتاب وإن كان مجموعة مقالات سياسية كُتبت في أوقات مختلفة وحسّاسة ودقيقة تمرّ به الأمّة العربية وعموم دول المنطقة، إلّا أنه يُعبّر عن وحدة هدف ومعان تكاملية، فكلّ مقالة تكمّل ما سبقها وتضيف عليها، وكأنها كُتبت في وقت واحد، أو لتكون مبحثًا في كتاب وضِعَت خطة مسبقة لتأليفه، فضو يدرك قيمة التغييرات السريعة التي يشهدها العالم، وخصوصًا في ظلّ الثورة الصناعية الرابعة واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، لهذا يسعى للتساوق مع الجديد بتقديم رؤية استشرافية مستقبلية لمآلات الصراع في المنطقة.
يُقسم ضو الكتاب إلى أربعة فصول، إثنان منها تتعلّق بلبنان وتضمّ 17 مبحثًا، ثمّ يتناول في الفصل الثالث والرابع حروب الاستعمار الجديدة ومأزق الترامبية وموضوع أسلحة الدمار الشامل. ثمّ يناقش مسؤولية النخب الفكرية والثقافية والسياسية وحرب الإبادة الأخيرة على غزّة والملف النووي الإيراني رابطًا الرؤية اللبنانية بالرؤية الكونية للتغيير، ولا ينسى مسؤولية الرأسمالية فيما وصلت إليه البشرية من تفاوت في مستوى المعيشة بين غنى فاحش وفقر مدقع.
الكتاب بقدر ما يقدّم الحقائق والمعطيات ويناقش التحديّات والعقبات، ولاسيّما بخصوص منطقتنا، فإنه يفعل ذلك من خلال دراسة الفكر السياسي والعلاقات الدولية والديبلوماسية، لا كباحث متخصّص فحسب، بل كمناضل أيضًا.

بيروت في 1 تموز / يوليو 2025

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي