بركة التعب

بلقيس خالد
2026 / 1 / 26

الصوفية البوذية.. كوان المزارع
-2-

في رحلتي المستمرة مع كتاب (التصوف البوذي والتحليل النفسي) لـ سوزوكي،
استوقفتني حكاية مزارع رفض استخدام الشادوف ليظل مخلصاً لدلوه البدائي، لا كرهاً في التطور....
هذه الحكاية: مرآة كاشفة لواقعنا المعاصر.
أضع الحكاية هنا للتأمل
: ( حفر مزارع بئراً، وراح يستخدم الماء لسقاية مزرعته،
وكان يستخدم لسحب الماء من البئر دلواً عادياً، كما يفعل معظم البدائيين،
وذات مرة رآه واحد من عابري السبيل، وسأله لماذا لا يستخدم الشادوف لهذا الغرض، فهو وسيلة توفر الجهد وتنجز أكثر من الطريقة البدائية،
فقال المزارع أعلم أنها موفرة للجهد ولهذا السبب بالذات لا أستخدمها،
فما أخشاه هو أن يجعلني استخدام مثل هذه المخترعات ذا عقلية آلية،
فالعقلية الآلية تسوق المرء إلى عادة الكسل والتراخي).
بعد هذه الحكاية جاء التحليل النفسي والمقارنة بين حكمة الشرق في العمل وحكمة الغرب.
وغالباً ما يتساءل الغربيون، لماذا لم يطور الصينيون مزيداً من العلوم والمخترعات الميكانيكية،
ويقول أن ذلك الأمر غريب في الوقت الذي اشتهر فيه الصينيون باكتشافاتهم واختراعاتهم كالمغناطيس والبارود والعجلة والورق وغيرها،
غير أن السبب الأساسي لذلك هو أن الصينين وغيرهم من الشعوب الآسيوية يحبون الحياة كما تعاش
ولا يرغبون بتحويلها إلى وسيلة لإنجاز شيء آخر،
الذي يحول مجرى العيش في قناة مغايرة تماما،
وهم يحبون العمل لذاته، على الرغم من أن العمل يعني إنجاز شيء ما،
ولكنهم حين يعملون يتمتعون بالعمل ولا يتعجلون إنهاءه،
وإذا ما كان صحيحاً أن الوسائل الميكانيكية أكثر كفاءة وانجازاً إلا أن الآلة متجردة عما هو شخصي وغير مبدعة ولا معنى لها،
والمكنة (mechanization) تعني التفكير، وبما أن الفكر نفعي بالدرجة الأولى فأن الآلة خالية من الروحية الأخلاقية أو الأخلاقية الروحية.

التأمل في هذه الحكاية يلفت انتباهنا لما يحدث اليوم، في الفضاء الأزرق الشاسع،
نرى زحفاً مخيفاً لـ عقلية الآلة. لقد تجاوز الإنسان استخدام المكنة في الصناعة،
ليسمح لها باقتحام أقدس معاقله: مشاعره / أفكاره.
صار النص يولد بضغطة زر، والقصيدة تحاك ببرودة الخوارزميات، والروايات تصاغ بلا قلق أو مكابدة.
أن الإبداع هو ذلك الجهد الشخصي الذي يجعل للعمل معنى،
وأن القيمة ليست في ما نكتب، إنما في كيف نتشكل نحن أثناء الكتابة..
فما فائدة الوصول إلى القمة بسرعة الآلة، إذا كنا سنصل بعقول فارغة وأرواح لم تمسسها بركة التعب.
أضع قلمي.. متأملة ذلك الصمت المفكر بذاته.. والتقيكم في كوانٍ آخر.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن