الأسئلة الهرائية

بلقيس خالد
2026 / 1 / 25

الصوفية البوذية.. كوانات

-1-
تحت سماء البصرة التي ارتدت ثوبها الكانوني البارد، وبينما ينقر المطر زجاج نافذتي، وجدتني ألوذُ بمحراب الحكماء:
كتاب (التصوف البوذي والتحليل النفسي) لـ سوزوكي. ترجمة (ثائر ديب) تقديم (وفيق خنسة). صدر عن دار الحوار للنشر والتوزيع/ سورية- 2007
وهو حلقة دراسية جمعت بين طب النفس وحكمة (الزن).. جسرٌ فكري بين الشرق (الحكمة المشرقية) والغرب (العلم التحليلي).
ومن بين ثنايا المحاضرات الخمس، اقتطفتُ هذه ال (كوانات) :

-1-
ولسوف يسألهم يوما ما عن كل خف بلي في أقدامهم
-2-
أننا نفكر، ونشعر بواسطة الأصوات والكلمات خارجياً، وبتبديل صيغ الوعي داخلياً،
وهذه هي كل الثياب التي نكسو بها أنفسنا، فلا تقعوا في خطأ اعتبار الثياب التي يرتديها الناس حقائق.

-3 -
أن أولئك الذين ينقلون الشائعات، مثل ثرثار، من فم إلى فم سوف يصرفون حياتهم من أجل لا شيء.

-4-
الأسئلة الهرائية:
سأل أحد المريدين المعلّم: ما هو الشيء الذي يقف وحدهُ دون شريك بين العشرة آلاف شيء؟. أجابه المعلم: حين تبتلع النهر جرعة واحدة سوف أقول لك.
تعليق المعلّم هذا قد فتح الحجرة المظلمة في وعي المريد الذي طرح السؤال.

-5-
سأل الراهب المعلّم: هل لبوذا طبيعة كلب؟ فأجابه المعلم: مو!، مو!، وو! وتعني حرفيا (لا)
ولكنها حين استخدمت ككوان، لم يعد المعنى مهماً، أنها (مو) الخالي من المعنى بصرف النظر أن كان ال (مو) نعم أو لا أو أي شيء أخر.
ولسوف يستمر هذا التكرار للصوت إلى أن يتشبع به العقل ولا يبقى أي مجال لأي فكرة أخرى، والمرء الذي يتلفظ بالصوت يتماهى معه فلا يعود شخصاً فردياً يكرر ال (مو) ذاتها وهي تكرر ذاتها
وحين يتحرك فأنه لا يتحرك كشخصٍ واعي لذاته وإنما ال (مو) هي التي تتحرك، تقف، تمشي،تأكل ، تشرب، تتكلم أو تبقى صامتة ويتلاشى الفرد من حقل الوعي، الذي تشغله الآن ال (مو)
والواقع أن الكون كله ليس سوى ال (مو) هذه الحالة من التشاكل أو التماهي يكون الوعي في وضع فريد أدعوه باسم (اللاوعي الواعي) أو ( الوعي اللاواعي).

أغلقُ الكتاب الآن، والمطر لا يزال يغسل شوارع البصرة، وأتساءل:
كم (خفٍ بليَ) من أرواحنا ونحن نركض خلف سراب الشائعات والأسئلة الهرائية؟
ربما آن الأوان لنصمت.. لعل الصمت يجعلنا نرى النور في أعماقنا.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن