|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 25
ألمانيا : فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي
لا يمكن فهم طبيعة الاستبداد في العالم العربي بمعزل عن الدين، ليس بوصفه عقيدة روحية أو منظومة أخلاقية، بل بوصفه أداة حكم. فالأزمة العميقة التي تعيشها المنطقة ليست ناتجة عن غياب الدين، كما يروّج الخطاب الرسمي، بل على العكس تمامًا: هي ناتجة عن احتكار الدين وتسييسه وتحويله إلى آلية ضبط اجتماعي تُدار من أعلى، وتُفرغ من محتواه القيمي.
لقد أدركت الأنظمة العربية مبكرًا أن القمع الأمني وحده غير كافٍ لضمان الاستقرار طويل الأمد. السجون قد تُرهب، لكنها لا تُقنع. القوة قد تُخضع الجسد، لكنها لا تُسيطر على العقل. ومن هنا نشأت الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـالاستبداد الناعم: منظومة متكاملة تجمع بين التخويف، والتخدير، وإنتاج سردية دينية تشرعن الواقع القائم وتُقدّمه باعتباره قدرًا إلهيًا لا يُناقش.
الإسلام السياسي: عدو مُفصَّل حسب الطلب
في هذا السياق، جرى توظيف جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، كأداة سياسية مرنة. فهذه الجماعات لا تُعامل بوصفها خصمًا مبدئيًا، بل بوصفها وظيفة سياسية. حين تحتاج السلطة إلى تخويف الداخل وكسب دعم الخارج، تُضخَّم الجماعة وتُربط بالإرهاب والفوضى والانهيار. وحين تقتضي المصلحة، يتم فتح قنوات التواصل معها أو توظيفها بشكل غير مباشر لإعادة ضبط التوازنات.
هذا الاستخدام الانتهازي يكشف أن الصراع ليس بين “دولة مدنية” و“مشروع ديني”، بل بين سلطة تسعى للاحتكار الكامل للمجال العام، وأي فاعل قد ينافسها على الشرعية. الدين هنا ليس موضوع الصراع، بل أداته.
من القمع إلى التخدير: نموذج الإسلام المُدار
إذا كان نموذج المواجهة مع الإسلام السياسي قائمًا على التخويف، فإن نموذج “الإسلام الوسطي” قائم على التخدير. ويبرز النموذج المغربي بوصفه حالة نموذجية في هذا السياق. فبدل الصدام المفتوح، يتم إنتاج نسخة رسمية من التدين، تُدار من قبل الدولة، وتُموَّل من المال العام، وتُقدَّم باعتبارها الضامن للاستقرار.
يتم ضخ مليارات الدراهم سنويًا في الزوايا الصوفية، وترميم الأضرحة، وتوسيع الشبكات الروحية المرتبطة بالسلطة. هذه المؤسسات لا تعمل خارج السياسة، بل في صميمها، إذ تؤدي وظيفة واضحة: تحييد الفئات الفقيرة والمهمشة سياسيًا، عبر خطاب يجرّم الاحتجاج، ويمجّد الصبر، ويُفرغ مفاهيم العدل والمحاسبة من مضمونها.
التصوف، في هذا السياق، لا يُقدَّم بوصفه تجربة روحية فردية، بل بوصفه أيديولوجيا طاعة جماعية. الزوايا تتحول إلى فضاءات لإعادة إنتاج الخضوع، وشيوخها إلى وسطاء بين السلطة والمجتمع، يتلقون الامتيازات مقابل ضبط القواعد الشعبية.
اقتصاد الزوايا: المال العام كأداة ولاء
لا يمكن فصل هذا النموذج عن البعد الاقتصادي. فالتمويل الضخم للزوايا والأضرحة ليس خيارًا ثقافيًا بريئًا، بل استثمار سياسي محسوب. كل درهم يُنفق في هذا المجال هو جزء من منظومة شراء الولاءات، وتوجيه الوعي، وإفراغ المجال الاجتماعي من أي ديناميكية احتجاجية.
المفارقة الصارخة أن هذه الأموال تُنفق في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية من الانهيار: صحة هشة، تعليم متدهور، بطالة متفشية، وفوارق اجتماعية صارخة. لكن منطق السلطة واضح: المواطن المتعلم والمتمتع بحقوقه خطر محتمل، أما المواطن المُنهك والمخدَّر فهو ضمانة للاستقرار.
الشرعية الدينية ونفاق السلطة
تبلغ هذه المنظومة ذروتها حين تقرن السلطة نفسها بشرعية دينية أو نسب مقدس. هنا لا تعود المسألة سياسية فحسب، بل تتحول إلى تحريم رمزي لأي مساءلة. فمعارضة الحاكم تُقدَّم كخروج عن الدين، ونقد السياسات كتهديد للوحدة الروحية للأمة.
في الوقت ذاته، تُمارس سياسات تتناقض جذريًا مع أي تصور أخلاقي: نهب للثروات، قمع للحريات، إفقار ممنهج، وتواطؤ واضح مع اقتصاد المخدرات الذي ينتشر في الأحياء الفقيرة تحت أعين الدولة. هذا التناقض ليس خللًا عابرًا، بل جزء من استراتيجية كسر المجتمع وإبقائه في حالة إنهاك دائم.
الهوية كحقل صراع سياسي
ولا يكتمل فهم هذه البنية دون التوقف عند مسألة الهوية. فالمغرب الكبير، تاريخيًا وثقافيًا، فضاء أمازيغي قبل أن يكون عربيًا. غير أن السلطة، باسم الدين ووهم “الوحدة”، فرضت تعريبًا قسريًا، ومسحت الذاكرة الجماعية، وأعادت إنتاج علاقة الهيمنة نفسها التي عرفتها المنطقة في مراحل الغزو الأولى.
الهويات هنا لا تُدار بوصفها تنوعًا، بل بوصفها أداة ضبط. أقلية مهيمنة تُعيد تعريف التاريخ، وتحتكر اللغة، وتُعيد إنتاج سلطتها عبر سردية دينية–لغوية تُقصي الأغلبية، ثم تُقدّم هذا الإقصاء باعتباره انسجامًا وطنيًا.
احتكار الإسلام وكذبة التفوق الأخلاقي
تُظهر المقارنة مع العالم الإسلامي الأوسع زيف الادعاءات العربية باحتكار التدين. فالعرب لا يشكلون سوى أقل من ربع مسلمي العالم، ومع ذلك يقدّمون أنفسهم مركز الإسلام الأخلاقي والسياسي. في حين أن نماذج التنمية، وبناء المؤسسات، والحكم الرشيد في العالم الإسلامي ظهرت خارج الفضاء العربي، دون الحاجة إلى تسييس الدين أو تحويله إلى أداة حكم.
خلاصة
المشكلة ليست في الدين، بل في تحويله إلى جهاز أمني ناعم.
ليست في التدين، بل في تجريده من بعده التحرري.
وليست في الهوية، بل في تسليعها لخدمة السلطة.
وما لم يتم تفكيك هذا التحالف البنيوي بين الاستبداد والدين، سيظل العالم العربي عالقًا في حلقة مفرغة: سلطة تُنتج الخضوع، ومجتمع يُعاد تشكيل وعيه ليقبل القهر باعتباره قدرًا إلهيًا، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للتغيير.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |