النهاية العبثية لسيد العبث..

عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 24

لم يخطط ألبير كامو قط للموت في سيارة نوع "فاسيل فيغا" محطمة على الطريق بين مدينة سينس وباريس في يوم شتائي قارص. ففي الواقع، قبل أيام قليلة من الحادث الذي حصل يوم 4 كانون الثاني/يناير 1960، كان يحمل تذكرة قطار في جيبه، ولم يكن من المفترض أن يكون في تلك السيارة أصلاً، غير ان الكاتب والناشر ميشيل غاليمار أقنع كامو بمرافقته في رحلة هادئة بالسيارة للعودة إلى باريس بعد انتهاء العطلة. كانا قد قضيا للتو ليلة رأس السنة في جنوب فرنسا، مستمتعين بوجبات وأحاديث عائلية. وفي هذه الاثناء، وعده غاليمار، الذي كان صديقه المقرب، بأن الرحلة ستكون مريحة وبلا استعجال. وافق كامو، بنوع من التردد، ويُروى إنه قال حينها: "إنه ضرب من الجنون، لكنني أظن أنه لا ينبغي للمرء أن يكون عقلانياً أكثر من اللازم في هذه الحياة".
بدأت الرحلة بهدوء، لكن في مكان ما بالقرب من بلدة "فيلبلافين"، وعلى امتداد الطريق، انهار كل شيء. انحرفت السيارة بعنف واصطدمت بشجرة بأقصى سرعتها، فتُركت السيارة حطاماً مهشماً. توفي "ميشيل غاليمار" بعد أيام، بينما توفي "كامو" على الفور؛ حيث عُثر على جسده وسط الحطام، وبجانبه كانت مخطوطة لروايته الأخيرة " الإنسان الأول"، وتتناول سيرته الذاتية غير المكتملة، مبعثرة بين الحطام.
"لم تكن ثمة كلمات أخيرة. ولا خاتمة شاعرية. ولا لحظة تأمل. مجرد صمتٌ مفاجئ."
كان المشهد سريالياً: جثة أحد أعظم عقول القرن العشرين ملقاة مُهشمّة على جانب الطريق.
لم تستطع أي فلسفة عظيمة أن توقف عشوائية انفجار إطار أو هشاشة ميكانيكا سيارة مسرعة. ومع ذلك، ألا يتردد في ذلك الحدث صدى كل ما ظل "كامو" يقوله طوال حياته؟
لقد كان هذا مؤلف "أسطورة سيزيف"؛ الرجل الذي زعم أن الكون غير مبالٍ، وأن الحياة تفتقر إلى معنى متأصل فيها، وأن تمردنا الوحيد هو أن نعيشها بعلاتها رغم عبثيتها. فكامو، الذي قال ذات مرة، " ليس هناك من مصير لا يمكن قهرُه بالازدراء والاحتقار"، وجد نفسه هو الآخر تحت رحمة هذا القدر العبثي ذاته.
ماذا نفعل حيال ذلك؟ حيال حقيقة أن حائزاً على جائزة نوبل، وصوتاً أخلاقياً، ومفكراً صارع الموت والمعنى طوال حياته، يمكن أن يُقضى عليه بسبب إطار سيارة؟
ربما كان كامو ليقول: "بالطبع، هذه هي العبثية بعينها. ومع ذلك، علينا أن نمضي قُدمًا، علينا أن نستمر."
كانت وفاته متواضعة، بلا مراسيم، لكن أفكاره لا تزال قائمة كما هي، ولا تزال تطرح علينا ذات الأسئلة الصعبة.
يُظهر هذا النص كيف أن موت الكاتب والفيلسوف ألبير كامو المفاجئ والمأساوي في حادث سيارة (على الرغم من أنه كان بحوزته تذكرة قطار غير مستخدمة لنفس الرحلة) هو التجسيد الأسمى لفلسفته عن العبث. العبث، وفقاً لكامو، هو الصراع بين بحث الإنسان عن المعنى ورفض الكون الصامت لتقديم أي إجابة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن