هجاء

فاتن نور
2026 / 1 / 24

مثل البشر
الأشياء لا تحنو على بعضها.
السجالات المهمة تتوقد،
لكنها سرعان ما تخمد،
وتعلن عن عدم رغبتها في التدوين.

الكل متفرج كئيب
في جوف مسرحية كوميدية
تضحك على نفسها
حتى تنسدل ستارة فخمة.

أنا المتفرج السعيد،
منذ الخروج من الغاب
لا أكف عن طرح أسئلة غير مسموعة.
أضحك دومًا
لأنني لا أفرط بحب كل الأحياء
التي تجتهد بالفطرة من أجل الحياة.

أريد الآن
أن أغيب في ضمير الوقت،
أتمرغ بسباخ الأرض، في وحولها اللزجة،
كما تفعل الخنازير البرية الجميلة،
كي أنجو من اللسع،
وتنجو هي مما علق بجلودها الطاهرة
من دنس الألسنة وأدرانها المزمنة.

أحاول أن أتنفس بعمق غبرة العواء الكوني،
وأطير من أخفض نقطة مائية
بخفة الأرياش، من خندق ماريانا،
لعلني أهبط بسلام
على قمة الحظ الأمرد.

لا بد أن أخوض الحرب، الحرب الفريدة،
حرب القضية الكبرى،
المنسية بين طيات الغباء ومفارق العتمة:
قضية الدجاج البريء، المعتقل،
وحتى الإفراج عنه دون كفالة،
وحق الفراش واليعاسيب في الخلاص
من أصابع اللهو
وأطفال حفاة
ورثوا عادات التصور الفوقاني
وشرائع الصيد.

إنها الحرب العظمى
لإنقاذ بواصل الطيور والأسماك
من الغدر المنظم،
فلا يصيبها تشرد مماثل،
ولا ضياع من أضاعوا البوصلة.

أريد أن أكتم نفس الـ (واي فاي)
ولو نتفًا من الوقت المستباح،
حتى يستعيد الضوء عافية طيفه الطبيعي،
وكيلا تبقى المدارس غارقة
في التفاهة وسقم المواد.

لا بد أن يدرس الصغار
مادة الحياة والمستقبل،
البقاء والتمرد،
وأساليب شق الجمود
والجسور إلى الحكمة.

أريدهم أن يحفظوا عن ظهر قلب
سيرة الرغيف
ومعاناة السنابل عند غزو البشر،
أن يفهموا الكامل
في تاريخ جنادل الماء
والسناجب المتقافزة،
ويستشهدوا بأحاديث المروج والمراعي،
مرويات الفراش
ومعلقات النوارس.

أريد أن أطحن نفسي
بطواحين الماء والهواء وأذريها،
دفاعًا عن حق الأرز الأسمر بسمرته.

يراودني منذ زمن طويل،
أطول من تاريخ موت الفطرة،
حلم فطام أهل الأرض
من عاداتهم السيئة،
من هوياتهم المزعومة،
من عقولهم الطاعنة
في وهم التفوق.

صعب أن تنحني هامتنا
للماعز والبقر
لنهب حليبها بمضخات سخيفة،
بعد أن تركنا الغاب منتصبين.

أريد صب الزيت الأسود
على مفاتيح البيانو،
وإحراق كرات البلياردو
في الصالات الفخمة،
وكل ما يستنزف أنياب الفيلة
وحقهم في نبش الأرض
والبحث عن بذور.

لماذا كل هذا البطش المتواتر
من أجل الترويح
عن جنسنا الخؤون؟

أريد أن أدافع
عن حقوق الكائنات العظيمة والجميلة
دون تجميل،
أن أرفع عن ظهور البغال والحمير
أحمال حياتنا الثقيلة
وحاجاتنا المصطنعة الكريهة،
وأمسح عن رؤوس الأحصنة
ذاكرة حروبنا التافهة،
أسفار العربات والنبلاء،
وتاريخ الفروسية
والامتطاء الأحمق.

أريد نحت مسلة
أهيب من كل المسلات،
قانونها الوحيد يومض كالبروق:
يحفظ حق الأحياء والأشياء
في ألّا يمسّها بشر،
ولا تعصف بها
مسوسهم النزقة.

من أجل سحق الفطرة
صنعوا هذا التيه الكبير:
أديانًا ومعتقدات،
وأيديولوجيات
تذبح بساطة العيش
بسكين صدئة.

January 24, 2026

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن