|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2026 / 1 / 22
استعدتُ الجملة التي طالما ردّدها الموساد الإسرائيلي في توصيف علاقته مع إيران إلى سنوات قريبة من اليوم: «عدوٌّ ودود، وهو أفضل من صديق لدود». لم تكن تلك العبارة مجرد طرفة استخباراتية، بل كانت خلاصة أربعين عامًا من علاقة وظيفية بين تل أبيب وطهران، وقبلها العلاقة الراسخة بين إسرائيل ونظام الشاه. علاقة لم تبدأ مع الشاه ولم تنتهِ مع خامنئي، بل ظلّت تتحرك وفق قاعدة ثابتة: إيران ليست عدوًا لإسرائيل، بل أداة يمكن استخدامها حين يلزم. هذه الحقيقة قفزت إلى ذهني وأنا أقرأ مقال الكاتب الباكستاني جنيد أحمد في Middle East Monitor،الذي بدا وكأنه يكتب عن إيران المتخيّلة لا إيران الواقعية، وعن صراع لم يقع أصلًا إلا في مخيلة من يريدون تبرئة طهران من مشروعها في الهيمنة على الإقليم.
فإيران التي يتحدث عنها الزميل العزيز جنيد ليست إيران التي سلّحتها إسرائيل في فضيحة إيران–غيت، ولا إيران التي تعاونت استخباراتيًا مع تل أبيب في الثمانينيات، ولا إيران التي سهّلت — موضوعيًا وعمليًا — الاحتلال الأميركي للعراق، ثم ورثت النفوذ الأميركي في بغداد عبر الميليشيات. هذه إيران أخرى، إيران الورق، إيران الشعارات، لا إيران التي يعرفها كل من عاش في المنطقة ورأى كيف تحوّلت أربع عواصم عربية إلى ساحات نفوذ إيراني معلن.
والمفارقة أن جنيد يقتبس العبارة العاطفية التي سادت قبيل احتلال العراق عام 2003 «بإمكان أي شخص الذهاب إلى بغداد، الرجال الحقيقيون يذهبون إلى طهران»، متجاهلًا أن الرجال الحقيقيين الذين واجهوا إيران كانوا عراقيين، وقفوا ثماني سنوات في مواجهة مشروع الخميني الذي رفع شعارًا لم يكن يخفي نواياه: «تحرير القدس يبدأ من كربلاء». وعندما سقط العراق تحت الاحتلال الأميركي ثم الإيراني، فهمنا أن القدس لم تكن سوى ذريعة، وأن الهدف الحقيقي كان بغداد، وأن المشروع الإيراني لم يكن يومًا موجّهًا نحو إسرائيل، بل نحو العالم العربي. وكم بدت إيران سعيدة يومها حين قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف المفاعل النووي العراقي في أشد سنوات الحرب العراقية–الإيرانية، وكأن يدًا خارجية جاءت لتنجز لها ما عجزت عنه في الميدان.
وإذا كان جنيد يتحدث عن “خيال المحافظين الجدد” في إسقاط النظام الإيراني، فإن الحقيقة التي يتجاهلها هي أن إيران نفسها مستعدة لتقديم كل التنازلات لترامب — أو لأي رئيس أميركي — بمجرد أن تحصل على وعد واحد: بقاء نظامها الثيوقراطي. فالنظام الإيراني لا يخشى العقوبات ولا العزلة ولا الضربات المحدودة، لكنه يرتعب من فكرة تهديد وجوده. ولهذا، فإن كل صراخه ضد واشنطن لا يتجاوز حدود المسرح السياسي. فالنظام الذي يرفع شعار “الموت لأمريكا” في الساحات هو نفسه الذي يفاوضها سرًا كلما شعر بأن الكرسي يهتز، وهو نفسه الذي يقدّم التنازلات عند أول اختبار حقيقي حفاظًا على بقائه لا على شعاراته. وعندما تشتد الضغوط، تعود طهران إلى طاولة التفاوض راكعة، كما فعلت في الاتفاق النووي الأول، وكما فعلت في كل لحظة شعرت فيها بأن النظام نفسه — لا مصالحه الخارجية — أصبح على المحك.
إن إيران التي يصفها جنيد كضحية “خيال صهيوني–محافظ جديد” هي نفسها إيران التي تتدرّس في أعلى مؤسساتها الأمنية والاستخباراتية استراتيجية “قم أمّ القرى”، وهي عقيدة تهدف إلى نقل مركز العالم الإسلامي من مكة إلى مدينة قم، وإعادة تعريف القيادة الروحية والسياسية للإقليم وفق تصور فارسي–شيعي يجعل من إيران “العاصمة المقدسة” الجديدة. هذه العقيدة ليست تنظيرًا أكاديميًا، بل إطارًا عمليًا يبرر لطهران تدخلها في الدول العربية، ويمنح مشروعها التوسعي غطاءً دينيًا يوازي في خطورته الخطاب الإمبراطوري القديم. ومن يفهم هذه العقيدة يدرك أن إيران لا تحتاج إلى حرب مع إسرائيل، بل تحتاج إلى تفكيك المجال العربي وإعادة تشكيله بما يخدم “قم أمّ القرى”.
ولهذا، فإن كل تدخلاتها — من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن — ليست سوى حلقات في سلسلة واحدة هدفها إعادة هندسة المنطقة ديموغرافيًا وسياسيًا وثقافيًا. إيران لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل من أراضيها، لكنها أطلقت آلاف الصواريخ على المدن العربية عبر وكلائها. لم تفتح جبهة واحدة مع تل أبيب، لكنها فتحت كل الجبهات داخل العالم العربي. لم تهدد وجود إسرائيل، لكنها هددت وجود دول عربية كاملة. ومع ذلك، يكتب جنيد وكأن إيران دولة محاصرة، بينما هي في الواقع دولة توسعية تمارس نفوذها عبر الميليشيات، وتستثمر في الفوضى، وتستخدم الطائفية كأداة سياسية.
وما يزيد من هشاشة طرح جنيد هو تجاهله الانتقائي للتاريخ. فهو لا يذكر إيران–غيت، ولا يقترب من التعاون الإيراني–الإسرائيلي في الثمانينيات، ولا يناقش دور إيران في تسهيل الاحتلال الأميركي للعراق، ولا يتوقف عند الخراب الذي خلّفته طهران في العالم العربي. هذه ليست سهوًا، بل تحيزًا بنيويًا يجعل مقاله أقرب إلى دفاع سياسي منه إلى تحليل موضوعي. فالتاريخ ليس زينة نضعها في الهامش، بل هو المفتاح لفهم عقدة إيران تجاه العالم العربي منذ الفتح الإسلامي، وهي عقدة لم يتوقف النظام الإيراني عن استثمارها في مشروعه الإقليمي.
إن مقال جنيد يعيد تدوير الأسطورة القديمة: أن إيران تقف في مواجهة إسرائيل، وأن المحافظين الجدد يعيشون وهم إسقاط النظام الإيراني. لكن الحقيقة التي يعرفها كل من قرأ تاريخ المنطقة بلا أوهام هي أن إيران وإسرائيل ليستا عدوين وجوديين، وأن المشروع الإيراني موجّه ضد العرب أولًا، وأن النظام الإيراني سيقدّم كل التنازلات لترامب — أو لأي رئيس أميركي — بمجرد أن يحصل على وعد ببقائه، وأن الرجال الحقيقيين كانوا في الخنادق لا في الشعارات. والأساطير لا تصمد طويلًا حين يواجهها التاريخ، والتاريخ في هذه المنطقة لا يرحم أحدًا.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |