|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2026 / 1 / 22
لم يكن محمد القبانجي عازفًا بارعًا على أي آلة موسيقية. لكنه كان ملحنًا فذًا، ابتكر مقامي “المخالف” و”اللامي” العراقيين، ولحن كل أغانيه بنفسه. هذا التناقض الظاهري يكشف سرًا دفينًا في عبقرية التلحين: أن الآلة ليست شرطًا، وأن الإيقاع يمكن أن يُعزف في الذهن، وأن النغمة قد تُولد في الخيال من روح المفردة وليس آليتها، قبل أن تُسمع.
كاظم الساهر، في تجربته التلحينية، لم يكن ينتظر القصيدة كي يبدأ. كان يحتفظ بجمل موسيقية في ذاكرته، يختبرها، يعيد تدويرها، حتى تأتي الكلمات التي تليق بها. طالما لحّن مقاطع موسيقية وظلت في ذهنه سنوات، حتى وجد لها نصًا شعريًا مناسبًا. أحيانًا كان يطلب من الشاعر أن يكتب على لحن جاهز، لا العكس.
القبانجي لم يكن بحاجة إلى عود أو قانون كي يكتب لحنًا. كان يقرأ النغمة كما يقرأ الشاعر الوزن، يسمعها في داخله، يختبرها على مسامعه الخيالية، ويعيد تشكيلها على الورق. هذا ما يُعرف في مدارس الموسيقى بـ”السمع الداخلي”، القدرة على تخيّل الصوت دون عزفه، على سماع المقطوعة قبل أن تُعزف، على تحويل النوتة إلى تجربة سمعية داخلية.
السمع التخيلي ليس خيالًا، بل مهارة. هو أن تقرأ النوتة وتسمعها في داخلك، أن تكتب اللحن كما لو كنت تعزفه، أن تضع الإيقاع كما لو كنت تقرعه. القبانجي امتلك هذه القدرة بالفطرة، لا بالتدريب الأكاديمي. كان يلحن على الورق وفي الخيال، لا على الأوتار. يختبر الجملة اللحنية في ذهنه، ويعيد صياغتها حتى تستقر. وكاظم الساهر بنى مخيلته على الجملة الموسيقية كان يشعر بنبضها قبل أن تولد في شغاف قلبه وتسري في شرايينه، وبعد أن تنضج يعيد عزفها على الآلات الموسيقية.
كلاهما، القبانجي والساهر، يستخدمان “السمع الداخلي” كأداة رئيسية للابتكار: الأول ليصيغ المقام والمقامية العراقية، والثاني ليبني الجملة الموسيقية قبل الكلمة، ما يجعل كل منهما مثالًا حيًا على أن التلحين ليس في العزف بل في التخيل.
في مدارس الموسيقى الكلاسيكية، يُطلب من الطالب أن “يغني” النوتة دون آلة، أن يسمعها داخليًا، أن يعزفها في ذهنه. بيتهوفن، حين فقد سمعه، كتب أعظم مقطوعاته بالسمع الداخلي. أما كلود ديبوسي، أحد أهم المؤلفين الموسيقيين في القرن العشرين، فكان يسمع الألوان في الأصوات، ويكتبها كما يكتب الرسام الضوء! الأمر الذي يفسر سر علاقته بالرسام كلود مونيه “من يدري ربما كانت سمفونية البحر التي وصفت للوهلة الأولى بالموسيقى الغامضة والمارقة عمل مشترك بين الاثنين!”.
القبانجي، في المقابل، كان يسمع بغداد في المقام، ويكتبها كما يكتب المؤرخ الذاكرة. والساهر يعيش حياته في بحيرة أنغام يزرع فيها جُمَلًا موسيقية ويسهر على تنميتها.
السمع التخيلي هو ما يجعل الملحن لا يحتاج إلى آلة، بل إلى فكرة تعبر عن روح الكلمة. هو ما يجعل القبانجي يبتكر مقامًا جديدًا، لا لأنه يعزف، بل لأنه يسمع ما لم يُسمع من قبل. هو ما يجعل اللحن يولد في الذهن عند الساهر، لا في الأصابع.
عندما اقترح كاظم الساهر مرة نصا من قصائد نزار قباني، تراجع قباني متسائلًا: كيف ستلحنه؟ إنه أصعب من أن يُلحَّن؟ لذلك اقترح قباني على الساهر قصيدة “مدرسة الحب” فرد عليه الساهر أن هذه القصيدة ملحنة في ذاكرتي منذ سنين.
هذا الترتيب العكسي يكشف عن قدرة تخيلية سمعية عالية، تجعل اللحن سابقًا للكلمة، والصوت سابقًا للمعنى. الساهر كان يكتب الجملة الموسيقية من داخل الأذن، لا من خارجها. ومن ثم يجسد ذلك الصوت على البيانو أو العود. كما كان القبانجي يضع المقام قبل أن يضع الجملة الموسيقية، كان الساهر يضع الجملة قبل أن يجد لها مقامًا شعريًا.
ذلك يفسر لنا سر ابتكار القبانجي لمقام “اللامي” العراقي الصرف والتعبير، كنوع من الملامة الذاتية وكيف وضع السلم الموسيقي له، وأصبحت فيما بعد مدونة عربية حلقت من بغداد وهي تطوف على الأرواح الهائمة.
وعندما وضع القبانجي مقام “المخالف”، بدا كمن يريد تحدّي الترتيب الرياضي للسلم الموسيقي. لذلك بقي “المخالف” مقامًا عراقيًا خالصًا، لا يقترب منه الموسيقيون العرب بل يمرون على ضفافه. وعندما لحن الساهر أغنية “حاسب” لصوت لطيفة التونسية التي كتبها عبدالوهاب محمد، أصر على أن يكون العازفون جميعهم من العراق، فـ “المخالف” بغير الروح العراقية يصبح مقامًا مختلفًا.
في المرة الوحيدة التي التقيت فيها الراحل زياد الرحباني سألته عن صلته التي تكاد تكون منقطعة بالموسيقى العراقية على عكس كبار الفنانين اللبنانيين، قال لي: وظّفتُ جملا موسيقية قصيرة من الملا عثمان الموصلي، لكنني لم أقترب كثيرا من الموسيقى العراقية في أعمالي لأنها تخيفني لفرط وجعها!
هذا يظهر الفرق بين التلحين كذاكرة سمعية متجذرة في بغداد، وبين التلحين كتجربة شخصية مستقلة عن التراث المحلي.
لذلك لا يعتمد هذا النوع من التلحين عند القبانجي والساهر على العزف، بل على الذاكرة السمعية، على تخيّل الصوت قبل أن يُسمع، على الإيمان بأن الموسيقى تسبق اللغة، وأن اللحن هو ذاكرة لا تُكتب، بل تُستعاد.
كلاهما، القبانجي والساهر، يسمعان داخلياً لا يعزفان خارجياً. كلاهما كان يكتب من داخل الأذن، لا من خارجها. كلاهما كان يضع اللحن فكرةً لا أداءً. وهذا ما يدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى التلحين: ليس في عدد الآلات، بل في عدد الأصوات التي تُسمع قبل أن تُعزف.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |