|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عزالدين بوغانمي
2026 / 1 / 22
تنمو النزعة الانفصالية عندما تتوفر ثلاثة عوامل أساسية:
أن تتمركز الأقلية المتطلعة للانفصال في إقليم يقع على حدود الدولة.
أن تتوفر في ذلك الإقليم موارد اقتصادية تكفي سكانه.
أن تتوفر كثافة ديمغرافية تتناسب مع مساحة الإقليم وموارده.
وتؤكد الدراسات المقارنة في هذا المجال أن اجتماع الموقع الجغرافي والبنية الديمغرافية وحجم الموارد، هو العامل الحاسم الذي يتقدم على جميع العوامل السياسية والثقافية في تفسير نجاح الانفصال أو فشله. ولذلك انفصلت كل الجمهوريات السوفياتية الطرفية على سبيل المثال، وعجز إقليم الشيشان على الانفصال بسبب الجغرافيا.
في المقابل، تفرض طبيعة الدّول متعددة الأقوام والأديان والطوائف قيودًا على أي مسار انفصالي بسبب هاجس التفتّت السّاكن في جينات كل دولة متعددة المكونات.
فتركيا وسوريا والعراق وإيران، كُلّها دول ذات بُنى مجتمعيّة متعدّدة القوميات والأعراق والأديان والطّوائف. وهو ما يجعلها تشترك في الوعي بمخاطر التفكّك. لذلك يُقرأ موضوع الانفصال الكردي، في دوائر صُنع القرار في الدول الأربعة، مهما كانت طبيعة النظام الحاكم، كتهديد وجودي، باعتباره مدخلًا لانفصال أقليات أخرى كامنة داخل المجال الوطني. فهذا الإدراك العميق لضرورة غلق باب الانفصال، يجعل الخوف من التفتّت جزءا من عقيدة الدّولة، وخطًّا أحمر في حساباتها الاستراتيجية، وعنصرا بنيويًا موجِّها لسلوكها السياسي والأمني.
في هذا السياق، يُنظر إلى أي انفصال كردي، في أي من الدول الأربعة معضلة أمنية وسياسية قادرة على توليد مطالب مماثلة، بما يهدد التّماسك الداخلي للدول الثلاثة الأخرى. وهذا هو السبب الذي جعل الجغرافيا الإقليمية تتغلّب على الجغرافيا القُطرية في القضية الكردية.
فعلى مستوى الديمغرافيا يبلغ عدد السكان في الأراضي الكردية الموزعة بين تركيا وايران والعراق وسوريا حوالي أربعين مليون نسمة. وعلى مستوى الجغرافيا القُطرية، يقطن الأكراد في أطراف الدول الأربع. ويتمركزون في أقاليم حدودية تتوافر فيها كثافة سكانية، وموارد اقتصادية بدرجات متفاوتة. وهي العوامل التي تمنح النزعة الانفصالية أساسا ماديا مستمرا. ولكن على مستوى الجغرافيا الإقليمية، تنقلب المعادلة، ليظهر المجال الكردي محاصَرًا بالدول الأربع، بما يجعله نقطة تماس مباشرة مع أنظمتها الأمنية ومحاذير مجالاتها الاستراتيجية.
هذا الموقع الجغرافي ولّد، تاريخيًا، لأي محاولة انفصالية كُردية محلية، ارتدادات إقليمية واسعة. وبهذا المعنى، انتقلت القضية الكردية، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، من نطاق السياسة الداخلية إلى نطاق الأمن الإقليمي الجماعي.
من الأمور المثيرة للانتباه، هو أن تناقض المصالح والتوترات السياسية والعسكرية بين تركيا وإيران وسوريا والعراق، لا تُحصى ولا تُعد، ولكنها تختفي ويبرز التفاهم في الملف الكردي، تفاهما قائما على إدراك مشترك لضرورة ضبط هذه المسألة كشرط لاستقرارها الداخلي.
ومن الشواهد الحية، أن انعكس هذا التوافق الناجم عن إكراهات الجغرافيا، في إقليم كردستان العراق، حين جرى احتواء نتائج استفتاء عام 2017 ورُفض إعلان الاستقلال رسميا من الدول الأربعة، خشية تحوّل الانفصال الجزئي إلى نموذج قد يمتد إلى مناطق أخرى.
وانعكس في تركيا العام الماضي، حين قرّر حزب العُمّال الكردستاني تسليم سلاحه والانخراط في الدولة والمجتمع التركي.
ولنفس الاسباب ينعكس اليوم في سوريا، في اضطرار تنظيم قسد للاندماج مع الجيش السوري مقابل تمتع الأكراد بحقوقهم الثقافية والإدارية ضمن إطار الدولة السورية.
أما ما المناوشات والاشتباكات المحدودة والمتواترة هذه الأيام بين قوات قسد وقوات نظام دمشق، فلا تعدو أن تكون عمليات ضغط طبيعية ترافق المفاوضات، يعتقد أصحابها أنها تحقق مكاسب على الطاولة، وليس على الأرض.
وبكل الأحوال تشير هذه التطورات الثلاثة إلى وجود سقف إقليمي ثابت يضبط الحركة الكردية ويبني جدارا من حديد بينها وبين الدولة المستقلة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |