رواية - ظلام في منتصف النهار- (1940)

عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 21

عملٌ سياسيٌّ رائد، واستكشافٌ نفسيٌّ مُؤلمٌ لمحاكمات موسكو في ثلاثينيات القرن العشرين، كتبها آرثر كوستلر (إنكليزي هنغاري المولد)، العضو السابق في الحزب الشيوعي الذي أصابته خيبة أملٍ كبيرة. أحداث الرواية لا تدور في بلدٍ مُحدد، بل في دولةٍ شموليةٍ مجهولة الاسم، مُستوحاةٍ بوضوحٍ من الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين. بطل الرواية هو نيكولاي سلمانوفيتش روباشوف، ثوريٌّ بلشفيٌّ قديمٌ ساهم في تأسيس النظام الذي يسجنه الآن.
تتكشف أغلب أحداث الرواية داخل زنزانة البطل روباشوف وغرف استجواب جهاز أمن الدولة. فبعد اعتقاله بتهمة الخيانة العظمى والأنشطة المُناهضة للثورة، يُصبح روباشوف رجلاً منطقيًا وذكيًا، عليه أن يُصارع ليس لإثبات براءته - فهو يعلم أن التهم مُلفقة - بل لفهم المنطق الأيديولوجي الأعمق وراء اعترافه. يُجبر على الدفاع عن معنى حياته في مواجهة منطق الحزب البارد والقاسي، الذي يتجسد في رفيقه السابق ومحققه الحالي إيفانوف، ولاحقًا في المؤدلج الأصغر سنًا والقاسي غليتكين.
الدراما المحورية في الرواية دراما داخلية فلسفية. ومن خلال ذكريات روباشوف (المسرودة بأسلوب تيار الوعي) وحواراته المتوترة مع المحققين، يُحلل الكاتب الكارثة الأخلاقية للمثالية الثورية التي أفسدتها السلطة الشمولية. ويتأمل روباشوف ماضيه، حيث ضحى بأفراد عائلته من أجل مصالح "الحزب" والثورة. ووقّع على أحكام الإعدام، وخان أصدقاءه، وأسكت ضميره بشعار أن الغاية تبرر الوسيلة.
لكن، بصفته المتهم اليوم، عليه أن يواجه التطبيق النهائي لهذا المنطق. يجادل المحقق إيفانوف، بانحياز تام، بأن فائدة روباشوف التاريخية قد استُنفدت. وباعترافه بجرائم لم يرتكبها، يُمكنه أن يُقدّم خدمة أخيرة للحزب، مُضفيًا الشرعية على تطهيره ومُعززًا وحدته. يستخدم المؤدلج غليتكين أساليب أكثر وحشية وجسدية، مُجسدًا الجيل الببغاوي الجديد والقطعان التي صنعها النظام. يكمن صراع روباشوف في تحديد ما إذا كان للخيال الثوري للفرد أي قيمة عند مُقارنته بـ"حسابات التاريخ".
يحمل عنوان "ظلام في منتصف النهار" دلالة رمزية عميقة. فهو يُشير إلى انحسار العقل والأخلاق في ذروة مشروع سياسي ادّعى أنه تجسيد للتنوير الإنساني، لكنه الظلام الذي يحلّ عندما يبتلع ظل الثورة نورها.
في نهاية الرواية، يكون البطل مُنهكًا من التعب والنفاق الأيديولوجي وثقل هزيمته التي لا تُطاق، فيستسلم للأمر الواقع، ويُوقّع على اعتراف كاذب. وفي لحظاته الأخيرة قبل الإعدام، لم يُفكّر بمستقبل الحزب أو بتاريخه النضالي، بل بذكرى إنسانية بسيطة، بحبٍّ مضى، واستعادة عابرة لفردانيته المهدورة.
تُعدّ الرواية تأملاً عميقاً في قابلية المُثل العليا على الفساد والاضمحلال، والرضوخ تحت نير الاستبداد، والصراع بين الضمير الفردي والأيديولوجية الشمولية. والرواية تعد من أقوى صرخات الإدانة ضد التطرف السياسي في القرن العشرين، وتحذيراً خالداً للبشرية من ثمن التخلي عن الإنسانية من أجل قضايا سياسية طوباوية مجردة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن