|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 21
ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي
الكرة تُلعَب… والأرواح تُساوَم
بين الملعب والمدرجات والشوارع، مغاربة السنغال يتحملون فاتورة تنازل قاري لا أحد يعترف به، والقوانين والعدالة الرياضية تترنح أمام الفوضى والصمت الرسمي.
________________________________________
الفوضى بين الملعب و الشارع
في خضم هذا المشهد العبثي، يصبح من العبث ذاته تصديق الرواية الرسمية التي تحاول اختزال ما جرى في الرباط في تسعين دقيقة كرة قدم، أو في ركلات ترجيح حسمتها الصدفة، أو في أخطاء تحكيمية عابرة. ما وقع لم يكن مجرد مباراة، بل فصل مكشوف من فصول تسييس الرياضة، وابتذال القانون، والمتاجرة الصريحة بأمن البشر تحت غطاء المنافسة الكروية.
بينما كانت الكرة تنتقل بين أقدام اللاعبين المغاربة والسنغاليين، كانت الاعتداءات تنتقل بين محلات المغاربة في داكار. تزامن اللعب في الملعب مع اعتداءات وتخريب ممنهج طال محلات تجارية يملكها مغاربة في داكار، في مشهد يكشف انتقال الفوضى من المدرجات إلى الشارع. مغاربة لا علاقة لهم بالمباراة، ولا بالتحكيم، ولا بالنتيجة، وجدوا أنفسهم فجأة رهائن لحالة هستيرية غذّتها خطابات الشحن، وسكت عنها من يفترض فيهم حماية القانون والإنسان.
________________________________________
الرياضة تتحوّل إلى أداة ابتزاز
هنا تتهاوى أسطورة “الرياضة تجمع الشعوب”، ويظهر وجهها الآخر القبيح حين تُستعمل كأداة تعبئة وتحريض، لا كفضاء تنافس شريف. فالكرة، حين تنفلت من الضوابط الأخلاقية والقانونية، لا توحّد، بل تقسّم، ولا تفرح، بل تقتل.
داخل الملعب، لم يكن الحكم سوى تفصيل ثانوي في مسرحية أكبر منه. انسحاب المنتخب السنغالي من أرضية الميدان، رفقة مدربه، كان خرقًا فاضحًا لكل القوانين المعمول بها في كرة القدم الدولية. النص القانوني واضح، لا يحتمل التأويل: الانسحاب يُقابَل بخسارة المباراة، ويُمنح الفوز للفريق الآخر. لكن في إفريقيا، يبدو أن النصوص تُقرأ انتقائيًا، وتُطبَّق فقط حين لا تُزعج أحدًا.
لم يجرؤ الحكم على اتخاذ القرار الذي يمليه عليه القانون، ولم تجرؤ الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم على فرضه لاحقًا. لماذا؟ لأن القرار الرياضي في تلك اللحظة لم يكن رياضيًا أصلًا، بل أمنيًا وسياسيًا. لأن فوز المغرب بالقانون كان سيُترجَم خارج الملعب إلى مزيد من الفوضى والعنف ضد جالية عُزلاء، تُركت بلا حماية ولا ضمانات.
________________________________________
رمزية ركلة الجزاء الضائعة
أما ركلة الجزاء التي أُهدرت، بتلك البرودة غير المفهومة، فلم تعد في نظر كثيرين مجرد لحظة فنية. في سياق الأحداث، تحوّلت إلى رمز. رمز لتنازل غير معلن، لرسالة تهدئة موجّهة إلى الشارع الغاضب، وثمنٍ دُفع بصمت مقابل خفض منسوب الجنون الجماعي. قد يرفض البعض هذا التأويل، لكنه يظلّ قائمًا، تغذّيه سلسلة قرارات غير منطقية، وصمت رسمي لا يقلّ إدانة عن الفعل ذاته.
الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم حاولت، كعادتها، امتصاص الغضب بعقوبة جزئية: إيقاف المدرب السنغالي لخمس سنوات. عقوبة تبدو صارمة في ظاهرها، لكنها في العمق مجرد ورقة توت لإخفاء العورة الكبرى. لأن القضية لم تكن في شخص المدرب، بل في منظومة سمحت بالانسحاب، وسكتت عنه، ورفضت إعادة المباراة أو إعلان نتيجتها القانونية.
________________________________________
الجالية المغربية ورقة تفاوض صامتة
الأخطر من كل ذلك، أن الجالية المغربية في السنغال تحوّلت، دون أن تدري، إلى ورقة تفاوض غير معلنة. سلامتهم، أرزاقهم، وأمنهم، وُضعت في ميزان المقايضة. وكأن الرسالة كانت واضحة: إمّا التنازل رياضيًا، أو الفوضى اجتماعيًا. وهذه سابقة خطيرة، لا تمس المغرب وحده، بل كل الجاليات الإفريقية في القارة وخارجها. لأن منطق الابتزاز هذا، إن نجح مرة، سيتكرر كل مرة.
الإعلام، بدوره، لم يكن في مستوى اللحظة. جزء كبير منه اختار الطريق الأسهل: تبرير الصمت، تسويق الرواية الرسمية، أو الهروب إلى لغة خشبية عن “الروح الرياضية” و“الظروف الاستثنائية”. قليلون فقط تجرؤوا على طرح السؤال الحقيقي: من يحمي الإنسان حين تفشل الكرة؟ ومن يحاسب المؤسسات حين تختار السلامة المؤقتة على العدالة الدائمة؟
________________________________________
هشاشة كرة القدم الإفريقية
إن ما جرى يكشف بوضوح أن كرة القدم الإفريقية ما تزال أسيرة لمنطق الهشاشة: هشاشة القوانين، هشاشة المؤسسات، وهشاشة الإرادة في حماية الإنسان. كل الحديث عن الاحتراف، والحكامة، وتطوير اللعبة، يسقط عند أول اختبار حقيقي، حين يُطلب من المسؤول أن يختار بين تطبيق القانون أو تجنب الغضب الشعبي.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بكأس ضاع أو لقب تنازل عنه. القضية أعمق وأخطر. إنها قضية كرامة، وأمن، وعدالة. قضية منظومة تُدار بالترقيع بدل الإصلاح، وبالصفقات بدل الشفافية، وبالصمت بدل المواجهة.
وما لم يُفتح هذا الملف بجرأة، ويُسمَّت الأشياء بأسمائها، فإن السؤال سيظل معلقًا، يطارد كل مباراة وكل بطولة:
هل نلعب كرة القدم لنفرح… أم لنقايض بها الأرواح؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |