|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عزيز باكوش
2026 / 1 / 20
من حيث المبدأ، تقتضي مقاربة الصناعات الثقافية في المغرب الابتعاد قدر الإمكان عن النظرة الاحتفالية أو الموسمية للثقافة، والانتقال إلى تصور استراتيجي تركيبي يجمع بين الثقافة كقيمة رمزية وكرافعة اقتصادية، وكأداة للذاكرة والهوية. وهنا تحديدا يمكن اقتراح مقاربة متعددة المستويات أولا: الإطار المفاهيمي أي كيفية الانتقال من الثقافة إلى الصناعة الثقافية. ذلك أن الصناعة الثقافية المأمولة لا تعني تسليع الثقافة، بل تنظيم إنتاجها وتداولها واستدامتها. في المغرب ما يزال الخلط قائما بين الدعم الثقافي والاستثمار الثقافي عند الحديث عن الصناعة الثقافية في شكلها الخام مثل السينما والدراما التلفزيونية النشر والكتاب الموسيقى والفنون التعبيرية المهرجانات التراث المادي واللامادي الصناعات الإبداعية الرقمية (الألعاب، المحتوى، المنصات) ولم تغادر بعد منطقة الغموض والالتباس من النشاط الثقافي إلى التظاهرة والمشروع -الإبداع والمقاولة الثقافية.
بعين فاحصة يظهر التشخيص النقدي للواقع المغربي اختلالات بنيوية لعل أهمها غياب سياسة ثقافية وطنية مندمجة وواضحة الأهداف. هيمنة منطق الريع والدعم الظرفي بدل منطق المشاريع القابلة للاستمرار. وإذا أضفنا ضعف التنسيق بين وزارات الثقافة، الاتصال، السياحة، التعليم، والاقتصاد. اتضح أمامنا وبشكل مريب هشاشة وضعية المبدع (اجتماعيا وقانونيا.
معظم المقاربات تختزل صناعة الثقافة في التظاهرات ذات الطابع الوطني كالمهرجانات بالنظر إلى ضخامة الميزانيات المخصصة لها، مقابل تهميش الكتاب القاعات السينمائية المسارح الأرشيف. الامر الذي يجعل من الثقافة واجهة سياحية موسمية لا ترتقي إلى مستوى رافعة وعي وآلة إنتاج تنموية.
جانب آخر على قدر كبير من الأهمية، يتعلق بضعف الاستثمار في الذاكرة التاريخية والمقاومة الوطنية على صعيد الإعلام والإنتاج التلفزيوني مقابل سيادة محتوى سريع الاستهلاك على حساب العمق السردي والجمالي. تلفزيون رمضان نموذجا صارخا. حيث يتجلى بوضوح غياب ربط الإنتاج الدرامي بالبحث الأكاديمي والأرشيف الوطني.
لابد من تفعيل المقاربة المؤسساتية بدء بإصلاح الحكامة الثقافية عبر إحداث مرصد وطني للصناعات الثقافية. مراجعة أدوار المؤسسات القائمة، وزارة الثقافة، اعتماد دفاتر تحملات واضحة تربط الدعم: بالجودة بالأثر الثقافي بالتشغيل. مع تفعيل بنود الشراكات الموقعة بين القطاعين العام والخاص لتصبح ملزمة ولا خاسر فيها.
أمر آخر على جانب كبير من الأهمية، ويتعلق بتشجيع الاستثمار الخاص في السينما النشر الموسيقى عبر إحداث تحفيزات ضريبية للمقاولات الثقافية. دعم حاضنات المشاريع الإبداعية. والعمل بواقعية على إدماج الثقافة في النموذج التنموي الجديد كقطاع منتج. ولا تستقيم هذه المقاربات إلا بقياس الأثر أو رجع الصدى لاستبيان القيمة المضافة للثقافة من فرص الشغل الانتقال من ثقافة الدعم إلى اقتصاد الإبداع.
المقاربة الرمزية والهوياتية وهنا بيت القصيد في السياق المغربي تستوجب الاستثمار في الذاكرة التاريخية (المقاومة، الاستعمار، الهامش) التراث الأمازيغي والحساني واليهودي المغربي وتحويل الأرشيف (الرواية، الصورة، الشهادة) إلى: أفلام مسلسلات روايات مصورة منصات رقمية. وهو ما ينسجم تماما مع مشروع سبق أن تقدمنا به للمنتجين والمشتغلين بالسينما حول رواية -الخبز الأسود- للكاتب المغربي الدكتور عمر الصديقي باعتبارها منجم سردي للصناعة الثقافية.
إن دور التعليم والتكوين في إدماج الصناعات الثقافية في: الجامعات معاهد الصحافة مدارس الفنون من أجل تهييئ وتكوين منتجين في المجال الثقافي ومديري مشاريع ووسطاء ثقافيين مركزي وأساسي في أفق تصور عملي يمكن تلخيصه في ثلاث كلمات: رؤية – حكامة – استدامة. والسؤال الجوهري هنا ليس هل نملك ثقافة غنية؟ بل هل نملك القدرة على تحويلها إلى صناعة دون تفريغها من معناها؟
إن التحدي الحقيقي الذي يجب رفعه حتى تنتقل الصناعة الثقافية في المغرب من منطق التظاهرة إلى رهان الاستدامة. هو الاقتناع الرسمي بأن الثقافة في سياق التحولات العالمية لم تعد اليوم فعلا رمزيا أو تعبيرا جماليا معزولا، وإنما أضحت قطاعا إنتاجيا قائما بذاته. حيث تتقاطع الإبداعية مع الاقتصاد والذاكرة مع السوق، والهوية مع الاستثمار. غير أن مقاربة هذا المفهوم في المغرب ما تزال تثير أسئلة عميقة حول الرؤية والحكامة، وجدوى السياسات المعتمدة.
من مقتضيات التحديث أن تقوم الصناعة الثقافية على تنظيم إنتاج الثقافة وتداولها وضمان استدامتها، دون اختزالها في منطق الربح الخالص. وهي تشمل السينما والدراما التلفزيونية والنشر والموسيقى والفنون التعبيرية والمهرجانات، والتراث والصناعات الإبداعية الرقمية. غير أن الإشكال في السياق المغربي يكمن في استمرار الخلط بين الدعم الثقافي والاستثمار الثقافي، وبين التظاهرة الظرفية والمشروع طويل النفس، ما يجعل الثقافة أسيرة منطق المناسبات لا رافعة للتنمية. وهو ما يوسه الهوة بين المفهوم والالتباس.
ورغم إقرار الجميع باختلالات بنيوية مزمنة ناجمة عن معاناة حقيقية لقطاع الثقافة راجعة بالأساس إلى غياب سياسة وطنية مندمجة واضحة الأهداف، قادرة على ربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فإن طغيان منطق الريع والدعم غير المشروط على حساب منطق المشاريع القابلة للاستمرار والتقييم. هو العملة السائدة اليوم. يضاف إلى ذلك ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية وهشاشة الوضعية القانونية والاجتماعية للمبدعين مما يحول دون تشكل مقاولات ثقافية حقيقية.
على صعيد آخر. لا يمكن إنكار الدينامية التي أحدثتها المهرجانات في المشهد الثقافي المغربي. غير أن تضخمها المالي والإعلامي رافقه تراجع الاستثمار في البنيات التحتية الثقافية الأساسية القاعات السينمائية المسارح، المكتبات، والأرشيف. تحولت الثقافة في حالات كثيرة إلى واجهة سياحية أو أداة تلميع رمزي بدل أن تكون مشروعا مجتمعيا لبناء الوعي وتراكم الإنتاج.
يبرز القصور بشكل جلي في مجال الإنتاج التلفزيوني، حيث يلاحظ تغييب شبه ممنهج للذاكرة التاريخية، خاصة تاريخ المقاومة الوطنية والكفاح ضد المستعمر الفرنسي او الاسباني مقابل هيمنة محتوى سريع الاستهلاك ضعيف الصلة بالبحث الأكاديمي والأرشيف. إن هذا الخلل لا يعكس فقرا في المادة السردية، بل غياب إرادة حقيقية لربط الصناعة الثقافية بالذاكرة والهوية، وتحويل التاريخ إلى مادة فنية جذابة وذات قيمة.
إن تجاوز هذه الإشكالات يمر عبر إصلاح عميق لحكامة القطاع الثقافي، من خلال إرساء رؤية وطنية للصناعات الثقافية. ربط الدعم العمومي بالجودة والأثر الثقافي والتشغيل. تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. تحفيز الاستثمار في المقاولات الثقافية عبر آليات ضريبية وقانونية.
يشكل المغرب خزانا هائلا من الذاكرة التاريخية والتعدد الثقافي الأمازيغي، الحساني اليهودي المغربي وتجارب المقاومة والهامش. غير أن هذه الثروة لا تزال غير مستثمرة صناعيا. فتحويل الأرشيف، والرواية، والشهادة، والصورة إلى أفلام، ومسلسلات، وروايات مصورة، ومنصات رقمية، يمثل مدخلًا حقيقيًا لبناء صناعة ثقافية ذات معنى.
لا يمكن للصناعة الثقافية أن تتطور دون تكوين مهني متخصص، يدمج الثقافة في الجامعات ومعاهد الإعلام والفنون، ويخرج منتجين ثقافيين، ومديري مشاريع، ووسطاء قادرين على الربط بين الإبداع والسوق. إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في التساؤل عمّا إذا كان المغرب يملك ثقافة غنية، بل في قدرته على تحويل هذه الثقافة إلى صناعة مستدامة دون تفريغها من بعدها الرمزي.
فالصناعة الثقافية ليست ترفًا، بل خيارًا استراتيجيًا، يتطلب الانتقال من منطق الدعم الظرفي إلى اقتصاد الإبداع، ومن الاحتفال العابر إلى المشروع الثقافي طويل المدى.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |