|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 19
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
لن نبحث عن الكلمات اللطيفة، لأن الواقع نفسه خالٍ من أي لطف. ما يجري في المغرب ليس خللًا عرضيًا، ولا سوء تدبير عابر، بل هو نظام متكامل لإدارة الفقر، وترويض المجتمع، وتجميل القبح السياسي بالإسمنت والفرجة. دولة تُنفق الملايير على الملاعب والواجهات، وتُقنّن الجوع والبطالة والهشاشة، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا ويهتفوا ويغنّوا للنشيد قبل انطلاق المباراة.
هذه ليست سياسة عمومية، بل تقنية حكم: تُفقِر لتُخضِع، وتُلهي لتُسيطر، وتُلمّع لتُخفي. ومن لا يرى ذلك إما ضحية تضليل، أو شريك صامت.
أولًا: بطالة بلا أفق… شباب بلا مستقبل
البطالة في المغرب لم تعد مجرد رقم، بل صارت أسلوب حياة قسريًا لملايين المغاربة. شباب يُنهون دراستهم ليكتشفوا أن الشهادات لا تفتح الأبواب، وأن الجامعة لم تكن سوى غرفة انتظار كبيرة للفقر. خريجون يُدفعون إلى العمل الهش، إلى عقود الإذلال، إلى الاقتصاد غير المهيكل، أو إلى الهجرة السرية، أو إلى الاكتئاب الصامت.
ثانيًا: فقر مُنظَّم وطبقة وسطى تُسحق
الفقر في المغرب لا يُحارَب، بل يُدار. الطبقة الوسطى، التي يُفترض أن تكون صمام أمان اجتماعي، تُسحق ببطء حتى التلاشي. والنتيجة مجتمع منقسم: أقلية تستفيد، وأغلبية تُصارع من أجل البقاء. في هذا السياق، الحديث عن «الفرح الكروي» يصبح استفزازًا اجتماعيًا صارخًا.
ثالثًا: التنمية على الورق… الواقع مختلف
الإنجازات الرسمية والتقارير المبهرة غالبًا لا تعكس حياة المواطن اليومية في التعليم، الصحة، وفرص الشغل. الصورة تتلألأ في الإعلام، بينما الحقيقة اليومية للمواطن المقهور مظلمة وقاسية.
رابعًا: إسمنت قبل الإنسان
الملاعب تُبنى بسرعة مذهلة، بينما المستشفيات العمومية تتآكل، والمدارس العمومية تنهار، والجامعات تُفرَّغ من دورها المعرفي والنقدي. كل درهم صُرف على مدرج جديد هو فرصة حياة ضائعة.
خامسًا: كرة القدم كمخدر جماعي
تتحول كرة القدم من لعبة شعبية إلى مخدر رسمي. تُضخ الأموال في الفرجة لتعليق الأسئلة، ويُشحن الناس بالعاطفة لإفراغ الغضب، ويُطلب من المواطن أن يكون مشجعًا لا صاحب حق.
سادسًا: تعليم مُخرَّب وصحة امتيازية
التعليم العمومي يعاني اكتظاظًا هائلًا وهدر مدرسي واسع، والصحة العامة تشهد خصاصًا كبيرًا في الأطر والتجهيزات. بناء ملعب جديد يُقارن هنا بسوء الخدمات الأساسية ليكشف الأولويات المقلوبة.
سابعًا: هدم البيوت… حين تعمل الجرافات ويُفتح البث المباشر
أثناء المباريات، تُهدم البيوت، تُشرّد الأسر، ويُرمى الأطفال إلى العراء. هذا توقيت محسوب، يعكس عقابًا طبقيًا ورسالة سياسية.
ثامنًا: الرقص فوق الركام
الأقسى من صوت الجرافات هو صمت المجتمع. كرة القدم علّقت الحس الجماعي وجمّدت الغضب، وحوّلت الألم إلى خبر عابر لا يقطع نشرة الأهداف. رقص جماعي فوق الركام، لا فرحًا بالحياة، بل هروبًا من الحقيقة.
تاسعًا: دولة الواجهة لا دولة الرعاية
المغرب اليوم أقرب إلى دولة واجهة منه إلى دولة رعاية. تُلمّع الطرق المؤدية للملاعب، وتُترك الأحياء للقمامة والحفر والكلاب الضالة. الكاميرات تلتقط الصورة، أما المواطن فلا يرى أحدًا يهتم بمعاناته.
عاشرًا: هذا ليس فشلًا… بل نجاح منظومة
ما نعيشه ليس فشل سياسات، بل نجاح منظومة في تحقيق هدفها الحقيقي: غلق آفاق الشغل لتأديب الشباب، إهمال الصحة لتقنين الحياة، تفريغ التعليم لإضعاف الوعي، ثم فتح المدرجات لشراء الوقت.
الكرامة قبل الكرة
لا وطن يُبنى بالإسمنت وحده، ولا كرامة تُصان بالأغاني. الوطن يُبنى بالعدالة الاجتماعية، بالشغل الكريم، بالصحة العمومية، بالتعليم الجيد، وبالسكن اللائق. ما دون ذلك وهم مُكلف.
من يبني الملاعب ويهدم البيوت لا يبني وطنًا. ومن يرقص بينما يُشرَّد الفقراء شريك بالصمت. الكاميرات لا تُطعم الجائعين، والمدرجات لا تُداوي المرضى، والفرجة لا تُسكت الحقيقة إلى الأبد. مهما طال الليل، الوعي يتقدم، والبهرجة تسقط.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |