|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عزالدين بوغانمي
2026 / 1 / 19
أوّل أمس شتمني واحد رقيع (*) حاشاكم، فدفعني لقراءة كتاب "ثورات الربيع العربي، مقارنة بالثورات العالمية". للمفكر والأكاديمي المصري: حسين عبد الحميد أحمد رشوان. الكتاب مؤلم، ولكنه مُفيد جدّا من جهة المعطيات والأرقام.
عزّز هذا الكتاب قناعتي بدور النخب في تطور المجتمعات الإنسانية، فقد ظلت هذه القناعة لسنوات طوال في دائرة التنسيب والحذر، لتقترب اليوم أكثر فأكثر من دائرة اليقين.
بعد مرور 15 سنة على حدث الثورة التونسية التي أطلقت حركة التغيير على امتداد الساحة العربية، نشهد اليوم ازدياد أعداد المعتقلين، وضحايا النزاعات، وارتفاع معدلات الهجرة، وتأزم الوضع الاقتصادي، واحتكار لأدوات البناء الثقافي من قبل من هم في السلطة، واستبداد النخب الحاكمة، وتخبط النخب المعارضة، ومن هنا ولدت الشكوك بالمؤسسات السياسية، بالأحزاب، بالمنظمات الاجتماعية، وحتى بالقيم الدينية، حيث تزداد الشعوب اقتناعا بأن النخب لم تستطع حلّ الأزمات المتراكمة، فتنقلب عليها وتبدأ رحلة البحث عن حلول متطرفة وعشوائية بقدر اتساع الفجوة بينها وبين نُخبها على اختلاف منابتها وأدوارها.
يقول ابن خلدون: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم وغلبهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول".
لعلّ ابن خلدون برؤيته للتغيير واستمراريته، وفكرته حول هرم الدولة الحتمي، يؤكد أن الثورة جزء من دائرة التطور. تبقى مسألة كونها تقود إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، فهذه تحتاج بيئة ونُخب.
يعود تعثر التحرر السياسي في بلادنا العربية إلى مسؤولية النخب الحاكمة والمعارضة على حدّ السّواء، إذ فشلت جميعها، في تفكيك البنية الذهنية والاجتماعية التي تنتج الاستبداد وتعيد تدويره باستمرار، ومعه يُعاد إنتاج نفس الكوابح والمعيقات ليظل المجتمع راكدًا يُراوح نقطة الصّفر.
فالنخب الحاكمة رسّخت منطق السلطة المطلقة، انسجامًا مع سلطة الربّ "تحكم ما شاءت، لا ما شاءت الأقدار". وبهذه النفسية حولت الدولة إلى ملكية خاصة، توظّفها لخدمة أغراضها، فالحاكم عندنا ربّ على وجه الأرض، هو الدستور وهو القضاء وهو القانون وهو الإدارة، وهو إرادة الأمة، ولا شريك له في ملكه ومتاعه. بينما سقطت قطاعات واسعة من النخب المعارضة في انتهازية موازية، استبدلت مشروع التحرر بتعبئة غرائزية تقوم على الأكاذيب والشائعات وتشويه الخصوم والولاءات الحزبية والقبلية والطائفية والمناطقية. وبدل مساعدة المجتمع على الانتقال من ثقافة العبودية إلى ثقافة المواطنة، جرى الاستثمار في وعي بدائي يقدّس الزعيم والاصطفاف، ويستبدل النقاش العقلاني بالعنف، ويحوّل الصراع السياسي إلى صراع وجودي. وهذا ما يفسّر العنف والهدر البشري والتدمير الواسع، وجميع المآسي التي يعيشها العرب، باعتبارها نتاجًا مباشرًا لاستراتيجيات نخبوية تستخدم المجتمع وقودًا في صراعات السلطة.
يظهر ذلك بوضوح عند مقارنة التحولات العربية مع تجارب أخرى، حيث جرت التغييرات السياسية هناك بأقل كلفة بشرية ومادية، لأن النخب والمجتمعات امتلكت حدًا أدنى من العقل الجمعي و[مفهوم الوطن]، بينما قادت هشاشة البنية الذهنية العربية إلى انفجار شامل جعل الاستبداد يتجدد باستمرار، من أبسط دائرة انتماء اجتماعي، وصولا إلى الأحزاب والمنظمات ودوائر الحكم.
فلو قارننا مستوى الهدر البشري والمادي بين التحولات التي شهدتها أروبا الشرقية آواخر ثمانينات القرن العشرين بالثورات العربية، لاكتشفنا فجوة ضخمة على جميع الأصعدة لا يصدقها عقل.
ففي أروبا الشرقية، تم تغيير الرؤساء، تغيير الحزب الحاكم، تغيير الدساتير والنظام السياسي كله، وتغيير النظام الاقتصادي من النقيض إلى النقيض، أي التحول من الاشتراكية الى راسمالية هجينة، مع كل ما انجرّ على ذلك من تغيّر عميق في نمط الانتاج والبنية الطبقية التي أعيد تشكيلها على نحو مختلف تماما. وتم تفكيك الحلف العسكري الجامع للمعسكر الاشتراكي (حلف وارسو). وتم تفكيك (الكومنترن) وهو النظام الاقتصادي الإقليمي الذي استندت إليه دول المنظومة الاشتراكية جميعا. فكما هو معلوم بدأ الاضطراب في الاتحاد السوفييتي منذ آواسط الثمانينات، وامتد الى بقية الدول ( ألبانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وبلغاريا ورومانيا وألمانيا الشرقية)، فإذا استثنينا رومانيا (لخصوصية وضعها الداخلي)، فان حجم الخسائر في الدول السبع الاخرى لم يتجاوز مئة قتيل خلال الأحداث، ففي الاتحاد السوفييتي التي يضم خمسة عشرة جمهورية، لم يتجاوز عدد القتلى ثلاثين قتيلا، وبعد التفكك بدأت حروب أهلية ناتجة عن اختفاء الدولة المركزية وليست نتيجة التحولات في النظام السياسي، فقد اندلعت تلك الحروب بعد تغير الانظمة بسنوات وليس خلال تغيرها.
هذا يعني أن عدد القتلى في ثلاثة وعشرين بلدا أروبيا شرقيا، لا يتجاوز عدد الضحايا في بلد عربي واحد (أيام الثورات) خلال أسبوع. أما الخسائر المادية التي حصلت أيام التغيير، في أروبا الشرقية فلا تكاد تُذكر.
في المقابل، بلغت خسائر الدول العربية خلال عشرية الاضطراب التي تلت 2011، أكثر من مليون قتيل، مع دمار اقتصادي يقدر بحوالي 250 مليار دولار، منها سوريا 620 ألف قتيل وخسائر مادية 67 مليار دولار، ليبيا 40 ألف قتيل و80 مليار دولار، اليمن 320 ألف قتيل و100 مليار دولار، مصر 7000 قتيل وخسائر سياحية 9 مليارات دولار، تونس 220 قتيل تقريبًا.
يعود هذا التفاوت إلى غياب الحد الأدنى من العقل الجمعي، وإلى تقديس الجماهير للنخب المستبدة، التي أعادت إنتاج الاستبداد باستخدام الولاءات القبلية والطائفية والمناطقية كأدوات قوة. كما فشلت النخب المعارضة في تقديم مشروع تحرري منظم قادر على تفكيك بيئة العبودية السياسية، وعلى عكس ذلك استخدمت غرائز المجتمع الأولية في تأجيج الصراعات، ولذلك ارتبط العنف والهدر والهجمات على الممتلكات مباشرة بسياسات النخب وليس بردود فعل طبيعية للشعوب.
تكشف الأرقام والفارق بين التجربتين عن أن الاستقرار النسبي في أروبا الشرقية كان ممكنًا بفضل إدارة النخب للتغيير ضمن قواعد واضحة ومؤسسات قادرة على ضبط الصراع، بينما تحولت النخب العربية إلى أدوات للعنف والانقسام بسبب ايمانها الدفين بالاستبداد، فزاد التشظّي، وتعاظم الهدر البشري والمادي، وعجزت المجتمعات عن احتواء الصراع، ما جعلها مسرحًا للعنف والارهاب والانهيار الاقتصادي والاجتماعي المستمر.
(*) الرّقيع = الأحمق السّمج
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |