المقايضة الروسية-الإيرانية: كيف يكافئ حسم أوكرانيا إيران بثمن التنازل في الشرق الأوسط

ليث الجادر
2026 / 1 / 17

في تطور جيوسياسي يُجسِّد براعة التوازنات الدولية المعقدة والمترابطة، يتحول حسم النزاع الأوكراني تدريجياً إلى المفتاح الاستراتيجي الحاسم الذي يُغلق القضية الإيرانية كـ"اللمسة الأخيرة" في عملية إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الطويلة الأمد والمُحكمة التخطيط، حيث تُكافأ روسيا بانتصارها المدروس والمُتقن في كييف لتُجبر بدورها حليفتها الرئيسية طهران على دفع "ثمن" استراتيجي باهظ ومُلْتَزَم تحت ضغطها المباشر والحاسم، في مشهد يُعيد صياغة التحالفات الإقليمية بأكملها.يبدأ هذا المشهد الدرامي باقتراب توقيع اتفاقيات أمنية أوكرانية-أمريكية خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الأسبوع المقبل، حيث أعرب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن أمله المتزايد في الحصول على ضمانات أمنية ملموسة وشاملة من واشنطن مقابل وقف إطلاق نار مشروط ومحدد الآجال، بينما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد موسكو الكامل لصفقة "طويلة الأمد" ومستدامة رغم استمرار التقدم العسكري الروسي الثابت في المناطق الشرقية الأوكرانية مثل دونباس، مما يحرر روسيا عملياً من أعباء الجبهة الأوروبية المُرهِقة اقتصادياً وعسكرياً على مدى أربع سنوات.هذا الحسم ليس مجرد حدث عسكري أو دبلوماسي معزول عن السياق الأوسع، بل يُمثل صفقة مقايضة مدروسة بعناية تجعل موسكو "دائناً" قوياً واستراتيجياً تجاه إيران، التي اعتمدت بشكل كبير وحاسم على الدعم الروسي اللوجستي والدبلوماسي والتسليحي خلال الضربات الإسرائيلية والأمريكية المدمرة في يونيو 2025 التي استهدفت منشآت نووية وصاروخية رئيسية، حيث تُفرض عليها الآن تنازلات جوهرية وملزمة حول برنامجها النووي المتقدم الذي وصل إلى تخصيب 90%، وشبكة ميليشياتها الإقليمية الواسعة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، مقابل "السماح" الروسي الضمني ببقاء النظام من خلال إصلاح داخلي مصطنع ومُصَمَّم بعناية يُقدَّم للجمهور الإيراني كـ"تصحيح مسار اقتصادي واستراتيجي" يحمي الشرعية السياسية أمام قاعدة الحرس الثوري المتشددة والمحتجين الاقتصاديين الذين اندلعت احتجاجاتهم أواخر 2025 بسبب التضخم القياسي.وفي هذا السياق المتسارع، ليست اتصالات بوتين الهاتفية المكثفة والمتعددة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان مجرد مبادرات وساطة محايدة أو عفوية تُقَدَّم للإعلام، بل تنفيذ حرفي ومنهجي لدور "محرك استراتيجي" مُكافَأ ومُعْتَمَد يُجبر طهران على التراجع التدريجي والمنظم عن دعم "محور المقاومة" في لبنان (حزب الله)، وسوريا (نظام الأسد)، والعراق (الحشد الشعبي)، واليمن (الحوثيين)، مقابل ضمانات روسية ملموسة ومُجْهَزَة مسبقاً تشمل تعزيز التعاون العسكري المشترك، ودعماً اقتصادياً عبر صفقات نفط وغاز، وتخفيف الضغط الغربي المشترك عبر الفيتو الروسي في مجلس الأمن، في ترتيب يُعيد تشكيل التحالفات الإقليمية لصالح إسرائيل والدول الخليجية بعد تصدُّع التوترات السعودية-الإماراتية الحاد في اليمن والسودان والقرن الأفريقي.هنا تفقد إيران استقلاليتها الاستراتيجية التقليدية تماماً في أكثر اللحظات حساسية، إذ يُحوِّل الضغط الروسي الدقيق والمُتَحَكَّم التصعيد الحالي مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – الذي أعاد انتخابه في نوفمبر 2024 وتم تهليله في يناير 2025 – إلى مسار تفاوض براغماتي ومُرَنَّن يُقدَّم داخلياً كـ"انتصار استراتيجي وطني"، مُكمِّلاً بذلك توسيع اتفاقيات إبراهيم إلى دول إضافية مثل السودان والمغرب، وتعزيز التقارب السعودي-الإيراني الذي بدأ في مارس 2023 تحت رعاية صينية وأُعِيدَ تَفعيله مؤخراً.تُكمل هذه المقايضة المدروسة بعناية "اللمسة الإيرانية الأخيرة" للخريطة الإقليمية الجديدة التي بدأت تشكُّلها ضربات 2025، مما يُسرِّع عملية استقرار شامل ومُسْتَدام يخدم رؤية ترامب التركيزية على الشرق الأوسط دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق قد تُثير ردود فعل دولية معقدة، ويُعزز في الوقت ذاته حصانة دول الخليج من التهديدات الخارجية المتعددة بعد توتراتها الداخلية المُزْمِنَة، في ترابط جيوسياسي عميق ومُتَدَاخِل يؤكِّد بجلاء وعِلْمِيَّة أن استقرار الشرق الأوسط لا يتحقق فعلياً ولا يُكْتَمِل إلا بتثبيت "فلانك روسيا الشمالي" أولاً كشرط أساسي، مُعِيدًا بذلك تعريف التوازنات العالمية ببراعة استراتيجية نادرة تُجسِّد تعقيدات العلاقات الدولية في عصر المنافسات المتعددة الأقطاب والتداخل الاقتصادي العابر للقارات.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي