مرثية لصديق العمر..

عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 17

عندما كتب الشاعر شيلي قصيدة "أدونيس"، لم يكن يكتب نقدًا أو فلسفة أو نظرية أدبية. كان يرثي صديقًا. كتب شيلي القصيدة بعد أن تلقى نبأ وفاة صديقه الشاعر جون كيتس في روما، بعيدًا عن وطنه، ظانًا أنه منسيٌّ وجريحٌ في هذا العالم القاسي. هزّ النبأ شيلي بشدة. فقد كان يُكنّ إعجابًا عميقًا لكيتس، ليس فقط لشعره، بل لجمال روحه. كان كيتس أصغر سنًا، وأكثر هدوءًا، وأكثر هشاشة، بحيث كان يشعر شيلي تجاهه بشيءٍ أشبه بالحماية والرعاية. كان كيتس قد تعرّض لانتقادات لاذعة في الماضي، وخشي شيلي أن تكون هذه القسوة قد عجّلت بوفاته. وسواء أكان هذا صحيحًا أم لا، لم يكن ذلك مهمًا لشيلي، المهم هو أن روحًا جميلةً حساسةً قد عانت، ثم رحلت.
في قصيدة "أدونيس"، لا يتحدث شيلي كشاعرٍ يكتب بعيدا عن الواقع، بل كشخصٍ يرفض ما حدث ولا يستطيع تقبّله. فنرى ان حزنه يتجوّل بلا هوادة داخل القصيدة، عائدًا مرارًا وتكرارًا إلى الجرح ذاته. يُطلق على رفيقه اسمًا ريفيًا، وكأنه يُضفي عليه رقةً تُخفف من وطأة وقسوة العالم. ويبدو أن شيلي يُحاول إبقاء صديقه حيًا بتغيير اسمه. الرقة والرهافة تنتشر في كل ربوع القصيدة. فيتخيل شيلي الطبيعة وهي تنعى صديقه كيتس، الزهور، والرياح، والسماء، لأن الحزن البشري وحده يبدو قاصرًا عن استيعاب هذا الفقدان.
ما يجعل القصيدة مؤلمة للغاية هو أن شيلي لم يتظاهر بالنسيان، ولم يقل إن الزمن سيُداويه، ولم يقل إن الموت عادل، بل قال إن كيتس كانت له قيمة عظيمة وأن حياته كانت قصيرة.
بعد وفاة كيتس، أصبح شيلي نفسه أكثر هدوءًا. ولاحظ أصدقاؤه أنه كان يتحدث عن كيتس كثيرًا، بحزنٍ عميق. فلم تكن كتابة قصيدة "أدونيس" بمثابة وداعٍ، بل كانت محاولةً لإبقائه حيا، وهي طريقة شيلي في مواجهة الغياب. وفي أواخر القصيدة، يحاول شيلي الارتقاء بحزنه إلى ما هو أسمى، إلى فكرة أن كيتس قد أصبح جزءًا من الجمال الأبدي. ولعلّ هذا هو سبب الألم والحزن عند قراءة القصيدة، فهي ليست مجرد مرثية عن رحيل الشاعر كيتس، بل صوت مكلوم يقف وحيدًا بعد فقدان أقرب اصدقاءه.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن