|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 17
في يوم 8 تموز 1822، كان الشاعر بيرسي بيش شيلي يبحر عائدًا إلى منزله في خليج ليريتشي الايطالي، عندما غرق وكان بعمر تسعة وعشرين سنة. كان قد أنهى لتوه رحلة إلى مدينة ليفورنو، حيث التقى صديقيه وزميليه الشاعرين الرومانسيين اللورد بايرون ولي هانت، لمناقشة شؤون مجلتهما الجديدة، "الليبرالي". كان متلهفًا للعودة إلى منزله في تلك الليلة نفسها، رغم التحذيرات من وجود عاصفة وشيكة. وعلى بعد مسافة، علق قاربه في عاصفة مفاجئة وعنيفة وغرق.
بعد عشرة أيام، أعاد البحر جثته مع جثتي رفيقيه، إدوارد ويليامز والبحار الشاب تشارلز فيفيان، إلى الشاطئ. وحينما عثروا عليه، كان هناك كتيب صغير من قصائد الشاعر كيتس لا يزال في جيبه. شاعر يغرق وكلمات شاعر آخر محفوظة في صدره. من الصعب تخيل نهاية أكثر ملاءمة أو أكثر إثارة للحزن من هذه النهاية. فلطالما طارد الشاعر تلك العواصف، في أفكاره، وفي حبه، وفي حياته.
كان ذكيًا، متمردًا، يستحيل كبح جماحه، فقد تحدّى المجتمع والدين والزواج، مؤمنًا بالحرية إيمانًا راسخًا لدرجة أن ذلك كان يؤذي الأشخاص من حوله.
كانت زوجته، الشاعرة والروائية ماري شيلي، تعرف هذا الجانب منه أكثر من أي شخص آخر. كانت في السادسة عشرة من عمرها فقط عندما لحقت به عبر أوروبا، تاركةً كل شيء وراءها من أجل الحب والشغف بفنه. حلما معًا بتغيير العالم، وواجها معًا خسائر وخيبات كبيرة. فقد دفنا ثلاثة من أبنائهما، وعاشا في المنفى، مثقلين بالديون والمرض والأسى.
أحبته ماري حبًا جمًا، لكنها عانت أيضًا بسببه. كان شغوفًا لكنه متهورا، محبًا لكنه رحال يتجول في جميع الارجاء، رجلًا يكتب عن الجمال الأبدي ويتناسى هشاشة من حوله.
عندما غرق الشاعر شيلي، كانت ماري في الرابعة والعشرين من العمر ليس إلا، أرملة، معزولة، تحمل عبء حكايتهما. أمضت بقية حياتها في الحفاظ على أعماله، وتحرير قصائده، وصون اسمه، لكنها كتبت أيضًا في مذكراتها أن حبها له كان أعظم هبةٍ وأعمق جرحٍ في آنٍ واحد.
وحينما أحرقوا جثته على الشاطئ، رفض قلبه أن يحترق. قالوا إنه تصلّب بفعل المرض، لكن ماري شعرت بشيءٍ آخر، بتحدٍّ غريب، ورفضٍ أخيرٍ للاحتراق في النار التي التهمت كل شيءٍ آخر. فقررت الاحتفاظ بذلك القلب طوال حياتها، ملفوفًا بقماش من الحرير، ليس كبادرةٍ رومانسية، بل كرمزٍ لشيءٍ لم تستطع التخلي عنه تمامًا: "كان رجلٌ أحبَّ بجموحٍ فاق قدرته على البقاء".
يقول الشاعر شيلي: "أجمل أغانينا هي تلك التي تعبر عن أشد خواطرنا حزناً."
وتقول ماري: "كان هو كل ما أملك، وفي غمرة حبي له، فقدتُ ذاتي." (مذكرات، ١٨٢٢)
مات الشاعر شيلي وهو في أوج شبابه، وفي جيبه ترقد قصائد من الشعر وفي قلبه عاصفةٌ من المشاعر. عاش وأحب كالنار، متوقداً، محطمًا، لكنه خالدًا على مر السنين. ولعل هذا هو السبب في أن قصته لا تزال نابضة بالحياة بعد أكثر من قرنين من الزمان، ليس لكونها مثالية، بل لكونها واقعية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |