حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.

عزالدين بوغانمي
2026 / 1 / 17

عادة اليسار في العالم له موقف موحّد تجاه القضايا الكبرى التي تهم الإنسان بصفة عامة، وهذا يعود إلى المبادئ المشتركة التي قامت عليها الفكرة اليسارية. ولذلك أنا كيساري عادة ما أقيس الأمور في الفيتنام، في أندونيسيا، إيران، أنغولا، كوريا، إسبانيا،،، من خلال مواقف الشيوعيين في هذه البلدان، ما دامت مواقفهم في خدمة شعوبهم وبلدانهم.

بالنسبة للسياق الإيراني الحالي، أعتقد أن الموقف اليساري المسؤول، سياسيا وأخلاقيا، يقتضي فصلا حاسما بين الصراع من أجل الحرية والديمقراطية، وبين واجب الدفاع عن الوطن حين يتعرض للغزو الأجنبي، استنادا إلى مبدأ أساسي عنوانه: "النضال ضد الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها".

من هذا المنطلق، عندما تتعرّض إيران للغزو الإمبريالي الصهيوني، لا يمكن المساومة على استقلالها وسيادتها ووحدتها الترابية، وبقاء كيان دولتها، بقطع النظر عن طبيعة السلطة والنظام الذي سيسقطه الشعب إن آجلا أو عاجلا. ولقد ثبتَ، في التجارب القريبة في منطقتنا، بما لا يدع مجالا للشك، أن إسقاط الأنظمة تحت نيران التدخل الخارجي لا يفتح طريق التحرر، بل يقود إلى تفكيك الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتحويل الأوطان إلى ساحات موت ونفوذ وحروب بالوكالة، حيث يُستبدل الاستبداد بفوضى أكثر خرابا ودمارا، فينهار الاقتصاد، وتُحلّ مؤسسات الدولة بجيشها وأجهزتها الأمنية، وتُعوّض بجهنّم العنف الأعمى، والانقسام الداخلي، والتطرف، والإرهاب، وحرب الكل ضد الكل وما يرافقها من قتل ومآسي وتهجير ونزوح وخراب يطال المجتمع والدولة والمستقبل.

وعلى هذا، فإن الموضوع واضح ولا يتطلّب كثيرا من الثرثرة. المطالبة بإسقاط الجمهورية الإسلامية، في لحظة تتعرض فيها إيران لعدوان خارجي مباشر، تنطوي عمليا على التلاعب بمصير البلاد، وتغفل دروس العراق وليبيا وسوريا واليمن، حيث كانت المشكلة في غياب الديمقراطية، وما أن تدخل الأجنبي حتى تمّ تدمير الدولة ذاتها، وفقد المجتمع شروط الأمن والتعايش، وشروط إمكان التغيير السياسي لأن الإطار الجامع الذي يمكن تغيير النظام داخله سيختفى بمفعول الحروب الأهلية.

بالنتيجة، فإن القوى التي تتواطأ مع التدخل الأجنبي، بدافع الانتقام من النظام أو بدافع وهم "التحرير" الخارجي، لا يحق لها ادعاء تمثيل الشعب، لأن الغزو يسلب هذا الشعب الشروط المادية والسياسية التي تتيح له التغيير، ويحرمه من إمكانية تأسيس نظام يعبر عن مصالح الأغلبية بإرادته الحرة. ولذلك فإن الأحزاب المتعاونة مع العدوان، أيا كانت التسميات التي تطلقها على نفسها، "شيوعية" أو "ديمقراطية" أو "وطنية" أو حتى "ملائكية"، ليست سوى قوى رجعية في معناها التاريخي والسياسي، لأنها تضع المجتمع على طريق التفكك والتبعية بدل أن تفتح له أفق التحرر الحقيقي.
الأولوية الوطنية اليوم هي صدّ العدوان ومنع تفكيك إيران، وتوحيد الصف الداخلي على قاعدة الدفاع عن السيادة وحماية الدولة، مع تأجيل الصراع السياسي الداخلي إلى سياق وطني مستقل، يُدار بإرادة الإيرانيين وحدهم، وبأدوات تضمن التغيير والإصلاح وإزاحة نظام الملالي دون تدمير ذاتي، ودون ارتهان للخارج. والشعب الإيراني الذي عانى مئة عام من الاستبداد بين حكم الشاه وحكم الدكتاتورية الدينية، من حقّه أن يبني نظاما ديمقراطيا بقواه الحيّة، بشبابه ونسائه ورجاله، دون وصاية أجنبية. وهذا لا يمكن إنجازه على أشلاء وطن مكسور ودولة محطّمة، ما يعني أولوية الحفاظ على دولة قوية قادرة على إنتاج تحولها الديمقراطي من الداخل، بعد أن تُغلق أبواب التدخل العسكري وتُسقط أوهام "التحرير" بالقنابل الأمريكية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن