|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عزالدين بوغانمي
2026 / 1 / 17
لماذا نرفض إسقاط النظام الإيراني بالتدخل العسكري الأميركي؟
ولماذا يتّهمُنا بعض الأصدقاء ب"الدفاع عن نظام الملالي"؟
وما علاقة هذا النقاش بالوضع السياسي في تونس؟
بعد التجارب المتراكمة للتدخل العسكري الأمريكي والأطلسي في إسقاط الأنظمة، أصبح من الطبيعي الخشية من الرهان على القوى الخارجية كوسيلة للتغيير السياسي. فكلنا نعلم كيف أسفرت تلك التدخلات على تفكك الدول وانهيار اقتصادها وتمزق نسيجها الاجتماعي، واندلاع حروب أهلية، وصعود الإرهاب، وتحويل البلدان المعنية إلى ساحات صراع نفوذ إقليمي ودولي.
ولم تقتصر الكلفة على الشعوب المستهدفة وحدها، بل امتدّت آثارها إلى أمن المنطقة برمّتها.
من هذا المنطلق نحن ضد الوهم الشائع بأن الخلاص من النظام الإيراني يمرّ عبر التدخل الخارجي، وهذا التصوّر يتجاهل دروس التاريخ، ويتغافل عمّا آلت إليه المجتمعات والدول التي تعرّضت للغزو.
البعض يعتقد أنّ الخوف المشروع من التدخل الأجنبي ينبع من "ادّعاء الوطنية" أو من باب المزايدة. والحقيقة أن هذا الموضوع لا يحتاج تنظيرا أصلا، لأنّ نتائج الغزو رآها الناس وعاشوها واكتووا بآثارها.
نظام الملالي نظام قمعي وطائفي ومتخلّف، وزواله ضرورة تاريخية، غير أن هذه الضرورة لا تبرّر هدم الدولة ولا جرّ المجتمع إلى مسار الخراب الشامل.
والمنطلق الأساس في هذا الموقف هو التمييز بين النظام السياسي القابل للتغيير، وبين الدولة كإطار مؤسسي وسيادي جامع، يضمّ المجتمع بمختلف تناقضاته، ويوفّر الشروط الدنيا للفعل السياسي. حين تبقى الدولة قائمة بمؤسساتها، وإدارتها، وجيشها، ووحدتها الترابية، يحتفظ المجتمع بإمكانية الصراع السياسي المنظّم. وحين تُدمَّر الدولة، يُلغى هذا الأفق، ويُدفع المجتمع إلى صراع دموي مفتوح لا سياسة فيه ولا ديمقراطية.
عندما ننطلق من هذا الفهم، يصبح التغيير الداخلي هو المسار الوحيد الذي يُفضي إلى تحوّل حقيقي. ولا شكّ أن تغيير نظام مثل النظام الإيراني ليس أمرا هيِّنًا، ويحتاج إلى صراع داخلي منظّم قادر على تفكيك شرعية النظام تدريجيًا، من خلال نقل الاحتجاج من انفجارات موسمية إلى حركة اجتماعية مستدامة، تتشكّل من خلال الإضرابات الاقتصادية، والاحتجاجات الطلابية، ومعارك النساء... وربط المطالب المعيشية اليومية بسؤال السلطة، وتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة سياسية تراكمية. وقد فقد النظام جزءًا كبيرًا من هيبته، خلال السنوات الماضية، غير أنه ما زال يحتفظ بقدرة على إدارة الانقسام داخل المجتمع والتحكّم في توازناته. وبكل الأحوال تغيير النظام، مهما كان جبروته، لا يتم على نحو صحّي إلا عبر نضال الشعب الإيراني وقواه الوطنية والديمقراطية، تفاديا لاستدعاء قوة خارجية تعيد تشكيل الصراع على نحو مدمّر، وعلى قياس مصالح الدولة الغازية.
إذن يُطرح الحفاظ على الدولة بوصفها إطار مدني لإدارة الصراع خارج الاحتراب الأهلي، وأيضا بوصفها بنية قابلة للتشقّق من الداخل. فالتحولات السياسية الكبرى تحققت دائمًا عبر ضغط الشارع الذي يُفقد السلطة، في عتبة معينة من تصاعد التمرد وتوسّعه، قدرتها على فرض الطاعة داخل أجهزتها الأمنية والعسكرية والقضائية. وهكذا يتآكل الامتثال داخل الأجهزة، ويزداد الامتناع الصامت، واتساع مساحات الحياد داخل الإدارة، والقضاء. ومثل هذا التحوّل حدث في معظم تجارب التغيير، وسيحدث في المستقبل حين يدرك جزء من جهاز الدولة أن استمرار النظام بات يهدّد وحدة المجتمع، ومصالح الدولة نفسها على المستوى الداخلي، وعلى المستوى الدولي، كالعزلة الدبلوماسية، والعقوبات، وربما الملاحقات القانونية لرموز النظام المورّطة في القمع...
هذا كله يمكن أن يحدث لإضعاف النظام، دون تحويل الخارج إلى بديل عن الفعل الوطني.
إذن، مرة أخرى لا توجد مزايدة بالوطنية على أحد في هذا الموقف. إنما هي رؤية تقوم على أن إسقاط أي نظام دكتاتوري مسار تاريخي طويل النفس، يعتمد على صراع داخلي منظّم، يراكم الضغط الشعبي، ويفكّك ولاء الأجهزة للسلطة الحاكمة، مع الحفاظ على الدولة كشرط لإمكان التغيير. وعليه فالدفاع عن الدولة في وجه الغزو الأجنبي، هو دفاع عن المجال الوحيد الذي يسمح للشعب بفرض إرادته السياسية، اعتراضا عن مخاطر الرّهان على الخارج لأنه طريق يؤدي إلى الهزيمة، والتبعية، وضياع المجتمع بين العنف والفوضى.
بطبيعة الحال هنالك أطراف إيرانية تتبنّى هذا الموقف. وهنالك أطراف إيرانية أخرى لا توافق على هذا الرأي، وهذه بلادهم، وهم أحرار.
لكن نحن في تونس من حقّنا أن نُناقش هذه المسألة باعتبارها مسألة سياسية ونظرية تنطبق على إيران وعلى غيرها. وفي هذا السياق يوجد بيننا سياسيون ونُشطاء يصعب عليهم القُبول بموقف مناهض للتدخل الأجنبي، رغم أنه موقف مبني على التحليل الواقعي، ومسنود بشواهد فادحة من التجارب القريبة (العراق وليبيا). ولكن في نفس الوقت يخجلون من الإفصاح عن موقفهم المؤيّد صراحة للتدخل الأمريكي العسكري للإطاحة بالنظام الإيراني، لأنهم ينظرون للنظام التونسي في المرآة المقابلة للحالة الإيرانية، فيلجؤون إلى اتّهام معارضي هذا الاتجاه بالدفاع عن نظام الملالي"، أو ب"تبرير الاستيداد"، أو "بالعداء للحرية" ... وهلمّ جرّا من التّهم المُلفّقة. وهذه المنهجية "المُتخابثة" المحكومة بالمقارنة غير المُعلنة، وتلك المُراوغات اللغوية، وذلك التهرّب من جوهر الموضوع للنّبش في الحواشي، هي التي تجعل أفكار هؤلاء الناس ومواقفهم فاسدة، وهي واحدة من الأسباب الرئيسية التي جعلت الشعب التونسي يهرب من نُخبتِهِ. وأنا على يقين، بأنهم لو أفصحوا بشجاعة عن تصوّرهم لسيناريو الوصول للسلطة عبر التدخل الخارجي، لكان ذلك أكثر احترامًا من المراوغة والمُخاتلة والمواقف الغامضة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |