|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 16
أدرك فيودور دوستويفسكي معاناة الإنسان أفضل من معظم الفلاسفة، لأنه عاشها. ففي عام ١٨٤٩، وهو في السابعة والعشرين من عمره، أُلقي القبض عليه لانتمائه إلى جماعة أدبية تناقش أفكارًا سياسية محظورة. وزُجّ به في زنزانة باردة في سانت بطرسبرغ، وحُكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص.
في صباح يوم إعدامه، وقف أمام الجنود معصوب العينين، منتظرًا الأمر الأخير، لكن في اللحظة الأخيرة، وصل رسول، وأخبرهم ان القيصر قد خفف عقوبته. وتم استبدال حكمه بأربع سنوات أشغال شاقة في معسكر اعتقال سيبيري، مُقيدًا من كاحليه، مُجبرًا على النوم على القش بين اللصوص والقتلة. وهناك، فقد كل شيء، حريته، صحته، مكانته، وحتى أوهامه. بيد انه وجد شيئًا آخر، وجد الرحمة. فقد رأى ان الرحمة كامنة في أكثر النفوس انكسارًا. ورأى أن الخير والشر يتعايشان داخل قلب كل انسان. وعندما أُطلق سراحه، لم يكتب رواياته كشخص يصف الألم، بل كشخص عاشه فعلاً. وشكّلت تلك التجربة كل كلمة كتبها بعد ذلك. فالجريمة والعقاب، الأبله، الشياطين، الإخوة كارامازوف، جميعها وُلدت من تلك الحقيقة الصارخة نفسها التي تقول أن الخلاص لا يتحقق إلا بالمعاناة، وحتى أحلك القلوب ظلامية قادرة على اشعال بعض النور.
كتب دوستويفسكي ذات مرة: "الألم والمعاناة أمران لا مفر منهما لمن يتمتع بذكاء واسعًا وقلبًا عميقًا". لم يكن يمجّد البؤس، بل كان يقول إن الشعور العميق بالأخرين هو مصدر المعاناة.
لم يصبح ثريًا قط، بل عانى من الديون والمرض، لكن كلماته خلّدت بعده. كتبه ليست مجرد روايات، بل هي اعترافات من أعماق الروح الإنسانية. ولعل هذا هو سرّ أهمية دوستويفسكي حتى اليوم، فهو يذكّرنا بأنه حتى في أحلك زنزانة، وحتى في لحظات الموت، تبقى الروح الإنسانية قادرة على الحب والغفران.
"حُكم عليه بالموت، لكنه تعلّم كيف يعيش."
إن لم يسبق لك قراءة دوستويفسكي، فابدأ برواية الإخوة كارامازوف. إنها رواية عميقة، إنسانية، لا يمكن نسيانها ابدا. وستدرك حينها لماذا لا يزال الناس يُلقّبونه بسيد القلوب البشرية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |