|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 16
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
في المغرب، لا تُدار السياسة فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل عبر العاطفة الجماعية. لا تُضبط الشوارع فقط بالعصي والقوانين الزجرية، بل بالأغاني، بالأهداف، وبالرايات التي تُرفع في لحظة انتصار كروي. هنا، تصبح كرة القدم أكثر من رياضة، وأكثر من تسلية شعبية، لتتحول إلى أداة حكم غير معلنة، تُستعمل عند الحاجة لتسكين الغضب، وإعادة ترتيب الأولويات في وعي شعب مُنهك.
ـ حين تتأهل الفرق، تُعلَّق الأسئلة.
ـ حين تُرفع الكؤوس، تُؤجَّل المحاسبة.
ـ وحين يفرح الناس، يُطلب منهم أن ينسوا.
إن مشهد الاحتفال الجماعي في الشوارع لا يمكن فصله عن مشهد آخر أقل ضجيجًا وأكثر قسوة: مشهد بلد يعاني من اختلالات بنيوية عميقة، تُخفى عمدًا خلف واجهة «الاستقرار» و«النجاح الرياضي». فالأضواء التي تُغرق الساحات ليست بريئة، بل تؤدي وظيفة سياسية دقيقة: تحويل أنظار الناس من الأسفل إلى الأعلى، من الأرض إلى الشاشة، من الواقع إلى الوهم.
لقد نجح النظام المغربي، بذكاء محسوب، في الاستثمار في كرة القدم باعتبارها اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، والفضاء الوحيد الذي يُسمح فيه بالتنفيس الجماعي. فبدل أن يهتف الناس ضد الغلاء، يهتفون باسم اللاعبين. وبدل أن يطالبوا بالعدالة، يطالبون بركلة جزاء. هكذا يُعاد توجيه الغضب، لا حلّه.
في المقابل، يستمر القمع بهدوء. لا يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى تبرير. اعتقالات تطال مدونين وصحفيين ونشطاء رأي، محاكمات تُدار بمنطق العقاب لا العدالة، وأحكام تُرسل رسائل واضحة: الكلام مكلف، والصمت أكثر أمانًا. الترحيل التعسفي للمعتقلين بين السجون، كما في حالة سعيدة العلمي، ليس إجراءً إداريًا، بل عقوبة نفسية تهدف إلى كسر الإرادة وعزل الإنسان عن محيطه. لكن من يهتم؟ فالكاميرات مشغولة بتصوير الأهداف لا الزنازين.
هنا يتجلى التناقض الصارخ: بلد يحتفل بالحياة في الملاعب، ويُضيّق الخناق على الحياة في الواقع. بلد يطالب مواطنيه بالحب والانتماء، لكنه يبخل عليهم بالحقوق. الوطنية تُختزل في التشجيع، بينما تُجرَّم حين تتحول إلى نقد.
وفي قلب هذا التناقض، يظهر الانقسام الطبقي بوضوح فاضح. مغرب الواجهة، حيث الطرق معبدة، والملاعب حديثة، والخدمات متوفرة، ومغرب الهامش، حيث العزلة، والبرد، والجوع، وانعدام الأفق. هناك، في القرى الجبلية والمناطق النائية، لا يعني الفوز في مباراة شيئًا لطفل يمشي ساعات ليصل إلى مدرسة بلا تدفئة، ولا لأم تفقد ابنها لأن أقرب مستشفى يبعد عشرات الكيلومترات.
الدولة التي تستطيع تشييد ملاعب بمواصفات عالمية، وتستضيف تظاهرات قارية ودولية، تعجز ـ أو تتعاجز ـ عن فك العزلة عن قرى بأكملها. وهذا ليس فشلًا تقنيًا، بل اختيار سياسي. اختيار يضع الصورة قبل الإنسان، والاستثمار الدعائي قبل الاستثمار الاجتماعي.
أما الحديث عن «البنية التحتية»، فقد تحوّل إلى شعار فارغ. فالبنية التحتية ليست إسفلتًا فقط، بل صحة وتعليم ونقل عمومي وعدالة مجالية. ليست إنارة الشوارع في مراكز المدن، بل إنارة العقول بالمعرفة، وحماية الأجساد بالطب، وصون الكرامة بالحقوق. لكن ما نراه هو بنية تحتية انتقائية، تُبنى حيث توجد المصالح، لا حيث توجد الحاجة.
ثم تأتي المديونية، باعتبارها الآلية الصامتة لنهب المستقبل. ديون تتراكم باسم التنمية، لكن نتائجها لا تظهر إلا في جيوب الفقراء: ارتفاع الأسعار، تقليص الدعم، هشاشة الشغل، وتآكل القدرة الشرائية. المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة عبر الضرائب، ومرة عبر تدهور الخدمات. في المقابل، تُحمى الشركات الكبرى، خصوصًا المرتبطة بدوائر السلطة والنفوذ، من الخسارة، وتُفتح لها أبواب الامتيازات والصفقات.
المديونية هنا ليست قدرًا، بل أداة إعادة توزيع عكسي للثروة: من الفقراء إلى الأغنياء، ومن الهامش إلى المركز، ومن المجتمع إلى شبكات المصالح. ومع ذلك، يُطلب من المواطن الصبر، ويُقال له إن «الوضع صعب عالميًا»، بينما تُنفق الملايين على التظاهرات والاحتفالات.
في هذا السياق، تصبح كرة القدم وظيفة سياسية كاملة الأركان. فهي:
• تخلق شعورًا زائفًا بالانتصار الجماعي،
• تُعوض غياب الأفق الاقتصادي بأمل مؤقت،
• وتُعيد إنتاج الشرعية الرمزية للنظام أمام الداخل والخارج.
لكن هذا الوهم لا يمكن أن يدوم. فالجوع لا يُقهر بالأغاني، والبرد لا يُهزم بالأهداف، والظلم لا يُمحى بالكؤوس. قد تصمت الأسئلة مؤقتًا، لكنها لا تموت. وقد يُقمع الغضب، لكنه يتراكم.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الفقر في حد ذاته، بل تطبيعه. ليس القمع فقط، بل اعتياده. وليس كرة القدم، بل تحويلها إلى بديل عن الوعي. حين يعتاد الناس أن يفرحوا بدل أن يسألوا، وأن يشجعوا بدل أن يُحاسبوا، نكون أمام أزمة عميقة في معنى المواطنة.
المغرب اليوم يقف أمام مفترق طرق:
إما الاستمرار في إدارة الأزمات بالفرجة، أو مواجهة الحقيقة كما هي:
ـ دولة لا يمكن أن تستقر طويلًا على أساس التفاوت والقمع وصناعة الوهم.
ـ فالأضواء تنطفئ دائمًا،
ـ والمدرجات تفرغ،
ـ لكن الواقع يبقى…
ـ عنيدًا، ثقيلًا، وغير قابل للهتاف.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |