|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 16
عملٌ أدبيٌّ بارعٌ يجمع بين الرعب النفسي والإثارة. تدور أحداث الرواية حول كلاريس ستارلينغ، وهي متدربةٌ شابةٌ موهوبةٌ وطموحةٌ في أكاديمية مكتب التحقيقات الفيدرالي. يتم استدعاؤها من تدريبها من قِبَل جاك كروفورد، رئيس وحدة العلوم السلوكية، وتُكلَّف بمهمةٍ شاقة: مقابلة الطبيب النفسي المسجون والقاتل المتسلسل، الدكتور هانيبال ليكتر أو "هانيبال آكل لحوم البشر"، على أمل أن يُقدِّم رؤىً تُساعد في القبض على قاتلٍ متسلسلٍ آخر.
هذا القاتل الآخر، الذي أطلقت عليه الصحافة لقب "بافالو بيل"، يختطف ويقتل النساء البدينات، ويسلخ جلودهن ليصنع "بدلةً" بشعةً من لحم النساء. ويشكل السباق المحموم لإيقافه قبل أن يزهق روحًا أخرى العمود الفقري المُلِحّ للقصة. لكنّ قوة الرواية المرعبة لا تكمن في جرائمها البشعة، بل في العلاقة الشاذة والمنحرفة التي تنشأ بين كلاريس وليكتر. وحواراتهما، التي تجري عبر زجاج زنزانته شديدة الحراسة، عبارة عن سلسلة من المبارزات النفسية الحادة والمعاملات الفكرية المظلمة. وليكتر، ذو الثقافة الواسعة والشهية النهمة، ينجذب إلى ذكاء كلاريس وطموحها الجامح وهشاشتها التي تسعى جاهدة لإخفائها. يرفض الإدلاء بمعلومات مباشرة، ويطالب بدلاً من ذلك بتفاصيل شخصية عن حياتها مقابل معلوماته عن المرض النفسي للمجرم "بافالو بيل".
من خلال هذه الصفقة القاسية، يقوم ليكتر باجبار كلاريس على مواجهة أعمق صدماتها: ذكرى طفولتها حين سمعت صراخ حملان تُذبح في مزرعة بمونتانا، وعجزها التام عن إنقاذها. و"صمت الحملان" يجسد دافعها الدائم لحماية الأبرياء وإيصال صوت المستضعفين، وهو الدافع الذي يُغذي سعيها وراء ملاحقة المجرم بافالو بيل وصمودها في مواجهة ليكتر. وهنا، يُصوّر الكاتب ازدواجية مرعبة بين الوحشين القاتلين. بافالو بيل نتاجٌ بائسٌ وفوضويٌّ للإيذاء والرفض، وصانع رعبٍ فظّ. أما هانيبال ليكتر، على النقيض، فهو مُتذوّقٌ للشر، ومفترسٌ يلتهم "الفظاظة" ويُقدّر شكلاً منحرفاً من الرقي. وعلى كلاريس أن تتنقل بينهما، مستخدمةً قسوة أحدهما لاصطياد الآخر، كل ذلك بينما تُحارب التعالي والتحيز الجنسي في عالم ذكوري.
تبلغ الرواية ذروتها حيث تغوص كلاريس في متاهة حقيقية ومجازية، وكر القاتل، حيث تواجه الوحش وحيدة في الظلام، لا تملك سوى تدريبها وبصيرتها النفسية التي اكتسبتها بشق الأنفس. ويأتي الحل منتصرًا وغامضًا في آنٍ واحد، تاركًا مصير ليكتر معلقًا وآثار المحنة النفسية راسخة في الذاكرة.
في النهاية، تُعدّ رواية "صمت الحملان" قصة عن مواجهة المخاوف الفطرية، وطبيعة الهوس، والإدراك المقلق للذكاء، بل وحتى شكل من الصدق، في قلب عالم متوحش. وقد رسّخت الرواية مكانة هانيبال ليكتر كواحد من أكثر الشخصيات شهرة في عالم الأدب، وجعلت من كلاريس ستارلينغ نموذجًا للبطولة الذكية، الصامدة، والعمق الإنساني.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |