إعلام التفجير اللفظي

كرم نعمة
2026 / 1 / 15

لم يكن الجدل السام بين إعلاميين ومواطنين صحافيين سعوديين وإماراتيين ويمنيين حول الأزمة اليمنية سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق: إعلام عربي فقد القدرة على إنتاج معرفة، وصار يتغذّى على الغريزة لا على الفكرة.
ما جرى لم يكن نقاشاً سياسياً، بل انهياراً يتخفّى خلف لغة وطنية متشنجة، ويحوّل اليمن إلى ساحة صراخ لا إلى موضوع للفهم.
في وسط هذا الخراب، جاءت تغريدة الدكتور أنور قرقاش كأنها محاولة لإنقاذ ما تبقّى من معنى: "مهنية الإعلام ضحية كل أزمة في المنطقة؛ الكلمة مسؤولية… وإذا لم تسمُ بخطابك فلا تُفجر."
هذه ليست نصيحة فحسب. إنها اتهام مبطّن لإعلامٍ اختار التفجير اللفظي على الارتقاء المهني.
وأنا أعرف الرجل من لقاء يعود إلى سنوات في معرض أبوظبي للكتاب؛ كان يومها مشغولاً بالحوار الثقافي، لا بالاستقطاب. واليوم، حين يشخّص المحنة، فهو يفعل ذلك من موقع خبرة سياسية وثقافية، لا من موقع المتفرج.
لكن، هل يكفي صوت واحد في غابة من الضجيج، حين يفقد الإعلام “المسافة الأخلاقية”؟
المنظّر الإعلامي الأميركي جاي روزن أبرز مشجع للصحافة على الاهتمام بشؤون المواطنة، وتحسين النقاش العام، يقول في بودكاست أسبوعي عن إعادة تشغيل الأخبار “الصحافة تفقد معناها عندما تفقد المسافة التي تفصلها عن السلطة وعن الجمهور معاً.”
وهذا بالضبط ما حدث في الجدل الخليجي الأخير. الإعلاميون صاروا أذرعاً لخطاب السلطة لا أدوات مساءلة. والجمهور صار وقوداً للمعركة لا شريكاً في الفهم. والمنصات تحولت إلى ساحات ثأر قبلي لا فضاءات نقاش.
لقد اختفت المسافة الأخلاقية التي تمنح الصحافة معناها، وحلّ مكانها اصطفاف غريزي يقتل أي إمكانية للفهم. وهنا "الضجيج لا يخفي الحقيقة، لكنه يقتل القدرة على رؤيتها" هكذا كتب أحد أهم منظّري الإعلام في القرن العشرين، الفيلسوف الكندي واستاذ الاتصال الجماهيري الراحل مارشال ماكلوهان، عبارته الشهيرة.
وفي حالتنا، الوسيلة العربية اليوم—بما تحمله من صراخ واستقطاب—أصبحت هي الرسالة ذاتها. رسالة تقول للقارئ إن الحقيقة ليست مهمة، وإن الانفعال أهم من الفهم، وإن الولاء أهم من المهنية.
والواقع العربي يُعاد تشكيله اليوم على يد إعلاميين غاضبين، جمهور مستثار، وحكومات تريد خطاباً بلا أسئلة. لذلك طالب الدكتور قرقاش بأن لا نُفجر بالخطاب.
سبق وأن كتب نيل بوستمان، صاحب كتاب “التسلية حتى الموت”، أن وسائل الإعلام الحديثة تحوّل الثقافة والخطاب العام إلى “ترفيه” سطحي، يجعل الجدية والنقاش العميق أمراً مستحيلاً ويؤدي إلى تدهور الفكر العام. وهو يذكّرنا بأن ما حذّر منه جورج أورويل—الرقابة بالقمع—قد يتحقق اليوم بطريقة مختلفة: رقابة بالمتعة، وبالمحتوى التافه، وبالغضب أيضاً. وهذا بالضبط ما يفعله الإعلام العربي. يستبدل التحليل بالتهريج، والسياق بالشتيمة، والعمق بالاصطفاف. إنه ترفيه سياسي، لا صحافة. وهو ترفيه قاتل لأنه يقتل القدرة على التفكير، ويحوّل القضايا المصيرية إلى عروض صراخ.
ومع كل الذي يحدث فـ “المواطن الصحافي" ليس بريئا في كل ما يجري فهو ضحية وقاتل ثان للحوار.
في الغرب، يناقش الباحثون منذ سنوات أثر المنصات على الصحافة. لكن في العالم العربي، لم يضعف الاستقلال فقط، بل قُتل. "المواطن الصحافي” الذي كان يفترض أن يوسع دائرة المعرفة، تحوّل إلى ناقل شتائم، صانع شائعات، ومشارك في قتل الحوار العام.
وهكذا قُتل الإعلام مرتين: على يد الحكومات التي أرادت إعلاماً منزوع المخالب. وعلى يد الجمهور الذي أراد إعلاماً منزوع العقل.
يطلق غالبا كتاب صحيفة فايننشيال تايمز تحذيرات لا يسمعها أحد في مقالات متواصلة عن “أزمة الثقة” و“تآكل المهنية” في الإعلام الغربي. وفي نيويورك تايمز، تُنشر تحليلات عن “تسييس الحقيقة” و“انهيار المجال العام”.
لكن الفرق بيننا وبينهم بسيط ومخيف: هم يناقشون أزمة مهنية. ونحن نعيش أزمة وجودية. هم يخشون فقدان الجمهور. ونحن فقدنا الجمهور والحقيقة والوظيفة الأخلاقية للصحافة.
وإذا كان عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس قد بنى نظريته عن “المجال العام” على فكرة النقاش العقلاني المفتوح، فإن ما نشهده اليوم في العالم العربي هو النقيض تماماً: مجال عام منهار، تُهيمن عليه الانفعالات، وتختفي فيه المسافة بين الرأي والمعلومة، وبين التحليل والتحريض. لقد تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع هويات، لا إلى مساحة تداول أفكار. وصار كل نقاش سياسي يُختزل في سؤال الولاء، وكل اختلاف يُفسَّر كخيانة، وكل محاولة للفهم تُقرأ كاصطفاف. في مثل هذا المناخ، لا يعود ممكناً إنتاج معرفة، لأن المعرفة تحتاج إلى بيئة تسمح بالأسئلة، لا بيئة تعاقب عليها. وهكذا يصبح الإعلام العربي جزءاً من المشكلة لا من الحل، ويصبح الجدل السام حول اليمن نموذجاً مكثفاً لانهيار المجال العام، حيث تختفي الحقيقة بين ضجيج المتخاصمين، وتضيع القضايا الكبرى في زحمة الصراخ.
إن ما يزيد مأزق الإعلام العربي تعقيداً هو غياب البنية المؤسسية التي تحمي المهنة من الانزلاق إلى الولاء الأعمى أو الغضب المجاني. فالإعلام في جوهره ليس مجموعة أفراد يصرخون على المنصات، بل منظومة قيم ومؤسسات تحريرية وقواعد مهنية تُبنى عبر عقود. في الغرب، ورغم كل ما يقال عن الاستقطاب، ما زالت غرف الأخبار تمتلك آليات للمراجعة والتدقيق والمساءلة الداخلية، وما زالت الجامعات تنتج أجيالاً من الصحافيين الذين يتعلمون أن الحقيقة ليست رأياً، وأن الانفعال ليس موقفاً. أما في العالم العربي، فقد جرى تفريغ المؤسسات من دورها، وتحويل الصحافي إلى موظف في ماكينة سياسية أو رقم في جوقة رقمية. وهكذا يصبح الضجيج بديلاً عن التحليل، والولاء بديلاً عن المهنية، والاندفاع الغريزي بديلاً عن التفكير. إن غياب المؤسسة هو ما يسمح للخطاب أن ينفجر، وللحقيقة أن تُدفن تحت الركام
السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن بموازاة ما كتبه الدكتور أنور قرقاش، ليس: من على حق في الجدل السعودي الإماراتي بشأن أزمة اليمن؟ بل من بقي قادراً على قول الحق دون أن يتحول إلى جزء من الضجيج؟
الإعلام العربي اليوم لا يحتاج إلى “توازن” فقط كما يطالب قرقاش، بل يحتاج إلى إعادة اختراع نفسه. إلى استعادة المسافة الأخلاقية. والقدرة على إنتاج الأفكار، لا إنتاج الخصومات.
فالحقيقة لا تموت بالضجيج، لكن الصحافة تموت حين تتخلى عن شجاعتها.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي