|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2026 / 1 / 15
نعيش منذ قرابة أسبوعين فصلًا من فصول العار العالمي، المغلّف برداء الصمت والتعامي من جهات عديدة: حكومات، منظمات أممية، جمعيات حقوقية، منابر إعلامية، أحزاب، مواقع وإصدارات صحفية، تجاه أعنف وأقصى موجة تظاهرات تشهدها إيران منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، في واحدة من أخطر لحظات الاضطراب الداخلي في تاريخها الحديث.
الجماهير الإيرانية تقدّم اليوم ملحمة نادرة في النضال الراقي، والصمود، والتضحية، سعيًا لنيل حقوقها المشروعة والوصول إلى الدولة التي تستحقها، في مواجهة نظام ولاية الفقيه الجاثم على صدور الإيرانيين منذ عام 1979 وحتى لحظة كتابة هذه السطور. نظام ديكتاتوري متلفّع بعباءة الدين، صادر كل ما يمتّ لحقوق المجتمع والأفراد بصلة، واحتكر الحديث باسم الإله، في مشهد كهنوتي بغيض يُستخدم للنيل من المغضوب عليهم.
رجال هذا النظام لا يتورعون عن تهديد المتظاهرين علنًا، واتهامهم بالعمالة للولايات المتحدة وإسرائيل، في محاولة فجّة لشرعنة قتلهم. فقد حذّر المدعي العام الإيراني محمد موحدي آزاد من أن أي شخص يشارك في الاحتجاجات سيُعتبر (عدوًا لله)، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى الإعدام وفق القانون الإيراني، في وقت طالب فيه مسؤولون، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، باتخاذ إجراءات صارمة ضد المحتجين، بالإضافة إلى تهديدات قادة الحرس الثوري. والمفارقة الصادمة أن هذا التصعيد الدموي جاء بعد محاولة النظام، قبل أيام فقط، استمالة الشارع بالإعلان عن صرف سبعة دولارات شهريًا لكل شخص كمساعدة معيشية. نعم، سبعة دولارات. وكأن الرسالة كانت واضحة وفجّة: خذوا الفتات وتنازلوا عن حلم الحرية، اقبلوا الإذلال ودعونا نحكم باسم الله، بينما تُبدَّد ثروات البلاد على التنظيمات التابعة لنا في غزة ولبنان واليمن والعراق، تلك التنظيمات التي تم تجنيدها وتجييشها (باسم الكراهية والعداء لإسرائيل)، لكي تتحول دولها إلى حدائق خلفية تابعة للملالي، انتهت خرائب كما تعلمون.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يعلم القارئ أن إيران تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم؟ وأنها، رغم العقوبات، تُعد من بين أكبر عشر دول منتجة للنفط عالميًا، بإنتاج يتجاوز ثلاثة ملايين برميل يوميًا في أواخر عام 2025؟ أي إن ما يجري ليس فقر موارد، بل نهبًا ممنهجًا لثروة دولة بكاملها.
((من الاحتجاج المعيشي إلى الانتفاضة السياسية))
اندلعت الاحتجاجات بدايةً في طهران على خلفية الانهيار الاقتصادي المتسارع، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة واسعة النطاق شملت مئات المدن والمناطق، واستمرت مع دخول عام 2026، وسط تصعيد غير مسبوق في العنف وسقوط أعداد هائلة من الضحايا والمصابين.
هذه الاحتجاجات لم تعد ذات طابع معيشي صرف، بل تحولت إلى مواجهة سياسية مباشرة مع رأس النظام. شعارات مثل «الموت لخامنئي» باتت تُرفع علنًا، وأُحرقت رموز النظام ومقار أمنية في مدن عدة، في مؤشر واضح على كسر حاجز الخوف وتآكل شرعية السلطة.
في المقابل، لجأ النظام إلى قمع دموي شامل، مستخدمًا الرصاص الحي، والغاز المسيل للدموع، وحملات اعتقال جماعية، إلى جانب قطع شبه كامل للإنترنت في محاولة لعزل الداخل عن العالم. كما أشارت تقارير متعددة إلى الاستعانة بميليشيات ومقاتلين غير إيرانيين لقمع المتظاهرين.
اقتصاديًا، جاءت هذه الانتفاضة نتيجة تراكم طويل للأزمات. فقد بلغ التضخم 42.2% في ديسمبر 2025، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72%، فيما زادت أسعار السلع الصحية والطبية بأكثر من 50%. وفي الوقت ذاته، انهارت العملة الوطنية إلى مستويات قياسية، حيث وصل سعر الدولار إلى نحو 1.42 مليون ريال (قرابة 145 ألف تومان)، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية لغالبية الإيرانيين. وزاد الغضب الشعبي تسريبات عن نية الحكومة رفع الضرائب مع بداية العام الإيراني الجديد في مارس، رغم الأوضاع المعيشية الكارثية.
هذه الاحتجاجات هي الأكبر منذ انتفاضة 2022 عقب مقتل مهسا أميني. ومع دخول فئات تقليدية مؤثرة، مثل تجار السوق، على خط الاحتجاج، يعود إلى الأذهان الدور التاريخي الذي لعبته هذه الفئة في إسقاط نظام الشاه عام 1979، ما يفتح الباب على سؤال ثقيل: هل تقف إيران اليوم على أعتاب لحظة تاريخية فاصلة؟
وهنا يجب أن أشير إلى أمر شديد الأهمية، له الكثير من الدلالات التي قد تحمل لنا ملامح المشهد القادم إذا سقط نظام الملالي.
خلال الأيام الماضية، انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو حقق نسب مشاهدة ومشاركة قياسية، يوثّق لحظة استبدال علم إيران الحالي على واجهة سفارتها في لندن بعلم إيران ما قبل الثورة. وبحسب شهود عيان تحدثوا إلى "وكالة الصحافة الفرنسية"، جرى ذلك خلال مظاهرة شارك فيها مئات الأشخاص دعمًا للاحتجاجات المتصاعدة داخل البلاد. وأظهرت مقاطع مصوّرة، جرى تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي، شخصًا يقف على شرفة مبنى السفارة قرب حديقة (هايد بارك) وسط العاصمة البريطانية، وهو يزيل العلم الرسمي للجمهورية الإسلامية على وقع هتافات المتظاهرين، ليستبدله بعلم النظام الملكي السابق، الذي يرمز إليه بشعار الأسد والشمس.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه فعلًا رمزيًا معزولًا؛ فرفع علم إيران ما قبل الثورة بات ظاهرة لافتة في ميادين وشوارع التظاهرات، سواء داخل البلاد أو في تجمعات الجاليات الإيرانية في الخارج، بما يعكس اتجاهًا سياسيًا واضحًا ورسائل تتجاوز لحظة الاحتجاج الراهنة. وفي هذا السياق، يبرز رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، الذي كثّف ظهوره الإعلامي خلال الأسابيع الأخيرة، متحدثًا بشكل شبه يومي إلى الصحافة والقنوات العالمية.
وفي أحدث تصريحاته، دعا رضا بهلوي المجتمع الدولي إلى الاستعداد لـ"إيران جديدة"، مؤكدًا أن "إيران الحرة والديمقراطية ستكون قوة للاستقرار في الشرق الأوسط، لا مصدرًا لأزمات لا تنتهي".
وأختم كلماتي اليوم بصوت إيراني من الشتات السويدي، صوت يربط بين حنين الوطن وواقع المهجر، ليشعر القارئ بعمق تجربة إيران من خلال عيون كاتبتها.
توجهت إلى المؤلفة هانا تهراني وسألتها عن المشهد، فكانت إجابتها:..
أريد أولاً التأكيد أن الشعب الإيراني سيتغلب على النظام الإسلامي، وهذا سيحدث في المستقبل القريب وربما يكون قد تحقق بالفعل عند نشر مقالك .
تاريخياً، كانت الملكية القوة الأكثر توحيداً لإيران، وهذه الفكرة الثقافية لا تزال حاضرة. إيران تحمل إرثاً عظيماً وحضارة مزدهرة، وكثير من الإيرانيين يشعرون بثقل هذا الإرث أكثر من ارتباطهم بالإسلام. اليوم، عاد الشعب الإيراني إلى هذه القوة التاريخية الموحدة، ويرفع صوته باسم الأمير: "عاش شاه"، مؤكدين على قيادته الواعدة للمستقبل. الشعب الإيراني سيفوز. وأرى مستقبلاً مشرقاً يسوده السلام والاستقرارلإيران، وللشرق الأوسط، ولإسرائيل، وحتى لأوروبا.
تنويه: نُشر هذا المقال في نسخته الأصلية باللغة السويدية يوم 13 يناير 2026، في صحيفة Bulletin، ويُنشر هنا حصريًا النص العربي منه.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |