التصعيد الأميركي–الإيراني: بين الضربة المحدودة واحتمالات الانفلات

ليث الجادر
2026 / 1 / 15

لا يسعى هذا التحليل إلى تثبيت مسارٍ حتمي للتصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران، ولا إلى الادعاء بأن الأحداث تتجه بالضرورة نحو سيناريو منضبط يمكن التحكّم بمآلاته. ما يُقدَّم هنا هو استشفاف لاحتمال منطقي واحد ضمن مشهد بالغ السيولة، تُقاس فيه القرارات ليس فقط بمنطق العقلانية الاستراتيجية، بل أيضاً بهوامش الخطأ، والانفعال، وسوء التقدير، وهي عناصر بنيوية في لحظات الاختناق السياسي.
ضمن هذا الإطار، يبرز احتمال توجيه ضربة عسكرية محدودة بوصفه خياراً مطروحاً لا مضموناً، قابلاً للتحقق كما هو قابل للفشل أو الانزلاق. والمقصود بـ«الضربة المحدودة» هنا ليس توصيفاً فضفاضاً، بل عملية ذات معايير واضحة: استهداف دقيق لمنشآت أو قدرات نوعية، خارج البنية الرمزية العليا للنظام، وبسقف عملياتي لا يفرض رداً فورياً، ولا يُحرج القيادة الإيرانية إلى حدّ فقدان السيطرة.
لكن حتى هذا التعريف لا يحصّن السيناريو من المخاطر. فالحدّ الفاصل بين الضبط والانفلات في الشرق الأوسط هشّ بطبيعته، وأي خطأ في اختيار الهدف، أو تقدير أثر الضربة، قد يحوّل عملية «محسوبة» إلى لحظة تصعيد غير قابلة للاحتواء.
الامتناع عن الرد: خيار محفوف بالمخاطر لا معادلة مضمونة
يفترض هذا السيناريو –على نحو مشروط– أن إيران قد تميل إلى امتصاص الضربة، إن وقعت، والاكتفاء بردود خطابية أو غير مباشرة. غير أن هذا الافتراض لا يقوم على فكرة العجز، بل على موازنة دقيقة بين كلفة الرد الخارجي وكلفة الانفجار الداخلي. فالنظام الإيراني يواجه ضغوطاً داخلية متراكبة: أزمة اقتصادية عميقة، تآكل الثقة في الوعود الإصلاحية، واحتجاجات ذات طابع معيشي يصعب احتواؤها بخطاب تعبوي تقليدي.
مع ذلك، فإن الامتناع عن الرد ليس خياراً آمناً بالضرورة. فالنظام، الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على سردية الردع والمواجهة، يواجه خطراً موازياً يتمثل في التآكل الرمزي. الصمت المتكرر قد يُفسَّر داخلياً كحكمة، لكنه قد يُقرأ أيضاً كعجز، ما يفتح الباب أمام تصدعات داخل النخبة نفسها، لا الشارع فقط.
الداخل الإيراني: ساحة غير متجانسة
يفترض كثير من التحليلات أن الضغط الخارجي سيضاعف تلقائياً زخم الاحتجاجات. غير أن الواقع الإيراني أكثر تعقيداً. فالشارع ليس كتلة واحدة، بل طيف متباين من الفئات الاجتماعية، والمناطق، والهويات، بعضها ناقم، وبعضها متردد، وبعضها لا يزال مرتبطاً –مصلحياً أو أيديولوجياً– ببنية النظام.
ضربة خارجية، حتى لو لم يُردّ عليها، قد تؤدي إلى نتائج متناقضة:
في بعض المناطق، قد تُفاقم الشعور بالهشاشة وتغذّي الغضب.
في مناطق أخرى، قد تُستخدم لتبرير قمع أشد، أو لإعادة اصطفاف جزئي تحت شعار «الخطر الخارجي»، حتى وإن كان محدوداً.
من هنا، لا يمكن الجزم بأن ترك النظام «وحيداً أمام الداخل» سيقود تلقائياً إلى إضعافه؛ فقد يقوده أيضاً إلى إعادة ترتيب أدوات السيطرة بدل فقدانها.
الدور الأميركي–الإسرائيلي: إدارة الضغط لا حسم الصراع
في هذا السياق، يبدو أن واشنطن وتل أبيب لا تتحركان وفق منطق إسقاط النظام، ولا وفق منطق التعايش معه، بل وفق سياسة إدارة الضغط المتدرج. ضربة محتملة –إن نُفِّذت– ستكون جزءاً من هذا النهج: تقليص القدرات النوعية، منع القفزات الاستراتيجية، ثم التراجع خطوة إلى الخلف وترك المشهد الداخلي يتفاعل.
غير أن هذا النهج ذاته ينطوي على مخاطرة: فترك النظام في حالة اختناق طويل قد لا يؤدي إلى انهيار منضبط، بل إلى سلوك أكثر عدوانية أو أكثر قمعاً، بما يعقّد المشهد بدل تبسيطه.
العامل الدولي: كوابح غير حاسمة
لا يمكن أيضاً إغفال الدور الروسي–الصيني. فموسكو وبكين لا تشكلان مظلة حماية مطلقة لطهران، لكنهما تمثلان كوابح نسبية للتصعيد الشامل، ومصادر بديلة –وإن محدودة– للتنفس الاقتصادي والسياسي. هذا العامل لا يمنع الضربة، لكنه يؤثر في نطاقها، وتوقيتها، وحدودها.
خلاصة مفتوحة
في المحصلة، لا يشير التصعيد الحالي بالضرورة إلى حرب شاملة، ولا إلى بقاء مضمون، ولا إلى سقوط وشيك. السيناريو الذي جرى تفكيكه هنا –الضربة المحدودة وترك النظام يواجه أزمته الداخلية– هو احتمال منطقي ضمن مجموعة احتمالات، لا أكثر ولا أقل. قوته تكمن في انسجامه مع منطق إدارة الأزمات، وضعفه يكمن في اعتماده على افتراض انضباط قد لا يصمد أمام واقع متقلب، تحكمه الصدمات بقدر ما تحكمه الحسابات.
الخطر الحقيقي على النظام الإيراني قد لا يأتي من الضربة نفسها، بل من تفاعل ما بعدها: صمت قد يضعف الهيبة، أو رد قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها. وفي هذه المسافة الضيقة بين الخيارين، يتحدد مستقبل الأزمة لا وفق ما يُراد لها، بل وفق ما ينفلت منها.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي