العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة

كرم نعمة
2026 / 1 / 14

أيّ حكومة يمكن أن تولد، حين يتقدّم القاضي إلى واجهة السياسة؟ وحين يتحوّل رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان، من رجل قانون إلى مهندس للسلطة وفق مصلحة إيرانية معلنة؟ وأي معنى للحكومة، إذا كانت تُصاغ بالتواطؤ والابتزاز السياسي والخنوع، وبعيدًا عن قواعد اللعبة المعروفة؟
ما يجري في العراق اليوم لا يحدث خلف الأبواب المغلقة. على العكس، إنه يجري أمام العدسات.
منذ أسابيع، يتحرك فائق زيدان بوصفه رجل سياسة، لا رجل قضاء. يظهر. يبتسم. يفاوض. ويتصرف كمن يملك تفويضًا غير مكتوب لإدارة المرحلة.
من اختيار رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، مرورًا بترتيب المشهد داخل البرلمان، وصولًا إلى التفاوض مع الأحزاب الكردية في أربيل، ثم جمع زعماء الأحزاب والميليشيات الإيرانية، بدا واضحًا أن زيدان لا يلعب دور الحكم. إنه اللاعب الأكثر تأثيرًا.
السؤال لم يعد: هل يتدخل؟ بل: من منحه هذا الدور غير إيران؟
وأي سلطة سياسية يمتلكها رجل قضاء وهو يتصرف كرئيس حزب، أو كراعٍ أعلى للتوازنات؟
قبل أيام، أعد فريق صحافيين عراقيين تقريرًا مطولًا عن زيدان بعنوان “إسكوبار العراق”، مستعرضين عقيدته المعروفة باسم الفضة أو الرصاص: خياران لا ثالث لهما للمعارضين، قبول الرشوة أو مواجهة الخطر.
بموجب هذه العقيدة، بنى زيدان شبكة معقدة من قضاة ومسؤولين وقيادات حكومية وأصحاب نفوذ، سخّر سلطته للتلاعب بالقانون، وانتزاع الطاعة، وصمت المعارضين.
حما الفاسدين في سرقة القرن، وسحق رجال الأعمال الذين لم يكن أمامهم سوى الخضوع، أو الموت البطيء في دهاليز المحاكم، عبر الإفلاس وتجميد الأصول والسجن والنفي.
اليوم، وقبل تشكيل الحكومة الجديدة في بغداد، كل المؤشرات تذهب إلى نتيجة واحدة: زيدان لا يسعى إلى حكومة توازنات، بل إلى حكومة خاضعة لسلطته التامة.
منذ لحظة إعادة إنتاج البرلمان واختيار الحلبوسي وفق شروط يمكن اختصارها بكلمة واحدة: الانصياع، بات واضحًا أن الشرعية لم تعد تُستمد من التمثيل الشعبي، بل من الختم القضائي.
ختم يضفي المشروعية على برلمان يضم عشرات القادة والأعضاء المرتبطين بميليشيات مصنّفة إرهابية، وكأن المشكلة إجرائية لا بنيوية.
لا تُنتَج هذه الكوميديا السياسية إلا في عراق الميليشيات الإيرانية.
أن يقف فائق زيدان في ذكرى مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وهما المصدر المباشر للسلاح المنفلت وجرائم القتل على الهوية، ثم يتحدث بوجه جاد عن “حصر السلاح بيد الدولة”، فهذا ليس تناقضًا فقط، بل مشهد عبثي كامل الأركان.
دولة مختطفة تطالب باحتكار القوة، فيما رموزها تؤبّن من كسروها وسلموها للميليشيات.
في هذا الإطار، استدعى زيدان نفسه بوصفه «المنقذ» من الفوضى ومن الشلل السياسي. قدّم ذاته باعتباره الشخصية القيادية الأولى، لا لأنه انتُخب، بل لأنه مدعوم. إيرانيًا، بلا لبس.
وبحكم موقعه داخل ما يُعرف بـ«الدولة العميقة» العراقية، حيث تتقاطع السلطة القضائية مع الأمن والمال والسلاح.
في الأسابيع الأخيرة، لم يكتفِ بإدارة المشهد من بغداد، بل انتقل إلى أربيل للتفاوض مع الأحزاب الكردية، ثم عاد ليجمع زعماء الأحزاب والميليشيات الإيرانية، في صورة أعادت إلى الأذهان مشاهد سليماني، لا بوصفها ذكرى، بل وظيفة شاغرة جرى ملؤها.
بهذا المعنى، لا يبدو زيدان مجرد حليف لإيران، بل الوكيل الشرعي الجديد لإدارة نفوذها السياسي في العراق. سليماني كان قائدًا عسكريًا. زيدان يتحرك كرجل قانون. والنتيجة واحدة: ضبط الإيقاع، منع الانفلات، وإنتاج سلطة لا تهدد النفوذ الإيراني.
كما قال مايكل نايتس، زميل معهد واشنطن، فإن زيدان أصدر أوامر عدة لمنع أي معارضة حقيقية للميليشيات الإيرانية.
بعد 2003، دفعه سليماني وأبو مهدي المهندس إلى قمة النظام القضائي، ليُمسك بمحاكم الإرهاب، لا لتفكيك الإرهاب، بل لضمان عدم محاسبة أتباع إيران بموجب القانون العراقي.
القضاء لم يعد سلطة مستقلة، بل سلطة مركّزة. زيدان يعيّن، يقيل، ويمسك بالقضاة كما يمسك رئيس الحكومة بوزرائه. من دون انتخاب، ومن دون أفق زمني. تثبيت مفتوح، بإرادة سياسية خارجية، لا بإجماع وطني.
عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون لخّص المشهد: فائق زيدان لم يعد تابعًا لإيران فقط، بل تصرّف كزعيم سياسي بحكم الواقع، ووسيط رئيسي لتوازنات السلطة، يتدخل مباشرة في مفاوضات تشكيل الحكومة، في سلوك أكثر فجاجة من ممارساته السابقة.
أيّ حكومة يمكن أن تولد من هذا السياق؟ حكومة سياسية؟ أم حكومة قاضٍ؟ أم سلطة هجينة تلبس ثوب الدولة وتعمل بعقلية الميليشيا وتستعير لغة القانون؟
النتيجة شبه محسومة: العراق لا يتجه إلى حكومة قوية، بل إلى حكومة ضعيفة، مرتهنة، بلا سياسة، بلا مساءلة، بلا أفق، وبلا جرأة على الخروج عن الخط المرسوم.
والسؤال الأثقل: هل نحن أمام مرحلة انتقالية؟ أم أمام نموذج حكم جديد يُكتب فصوله بالحبر القضائي لا بالسياسة؟
في هذا النموذج، رئيس الوزراء مجرد واجهة، يتحمّل وحده الغضب الشعبي، فيما تُدار السلطة الفعلية في مكان آخر، أبعد من السياسة وأقرب إلى منظومة لا تُسأل ولا تُحاسَب.
الأخطر ليس ضعف الحكومة القادمة، بل السابقة التي تُرسَّخ: تحويل القضاء إلى سلطة سياسية عليا، القاضي فوق البرلمان، وفوق الحكومة، وفوق الإرادة الشعبية.
إذا استقر هذا النموذج، فلن يكون مؤقتًا. سيصبح قاعدة. وسيُعاد إنتاجه كلما تعثرت السياسة، أو طُلب ضبط المشهد، أو دعت الحاجة إلى «منقذ» جديد.
حينها، لن يعود السؤال عن شكل الحكومة، بل عن معنى الدولة نفسها.
ذلك هو التحذير الحقيقي. وذلك هو الثمن الذي قد يكتشفه العراق متأخرًا.

نص المقال المنشور بالإنجليزية في “ميدل ايست مونيتور”
https://www.middleeastmonitor.com/20260107-iraq-awaits-a-government-without-politics-and-a-judge-above-the-state/

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي