|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مهند طلال الاخرس
2026 / 1 / 14
3/6
في سير التاريخ كان لابد لهذه النهاية الماساوية ان تحدث كي تكتمل كل فصول الحكاية. والظاهر ان التاريخ تحدث فيه مدخلات وتدخلات تحرف وجهته الاخيرة عن الوصول الى مبتغاها، فكثيرا ما يحدث ما يعكر صفو الحكاية عند النهاية، لكن الماساة تكمن دوما في الفصل الاخير من الحكاية، وربما هذا الامر بالذات هو ما يسمح ان تبقى الحكاية وتدوم الى الابد، وربما لسبب بسيط؛ ان متعة الحكاية تفقد شغفها اذا اسدل الستار عليها بابتسامة، وربما لان الانسان المقهور بطبعه يميل الى الاحتفاء بالماساة والالم اكثر من احتماله للحظات الفرح... لا لشيء كثير، بل ليستذكر الانسان دائما كل من سبقوه الى هناك ومهدوا الطريق له الى هنا...
وربما بقيت اسطورة لومومبا حية لحجم التداخلات والتعقيدات فيها وفي قضية الكونغو من خلفها والتي بقيت اثارها وامتداتها واستطالاتها حية الى الان، وربما سمح للحكاية ان تدوم وتحيا وتعاود الانبعاث مجددا حجم التناقضات والمفارقات الغريبة والعجيبة فيها؛
وربما بقيت الحكاية حية تتناقلها الاجيال جيلا بعد جيل لامتداد اثارها وفواعلها لعدة دول ، ولاشتراك كثيرين في هذا الحب وهذه العلاقة مع باتريس لومومبا ولتوضيح هذه الاستطالات والمفاعيل قد يكون من المفيد ان نورد ثلاث من الامثلة لدول عربية [المغرب والجزائر ومصر] ترتبط بعلاقة وثيقة مع صاحبنا لومومبا وان اختلفت زوايا ومنظور تلك العلاقة.
فمثلا بالنسبة للمغرب: هذا الرجل لم يأتِ ليشجع فريقه ، جاء لينتقم ، جاء ليذكر المغرب بمن دافع عن الكونغو ومات من أجلها .
ولكن لماذا هذا في المغرب بالذات ؟
كوكا يفعل هذا منذ 2013 في كل بطولة تتواجد فيها الكونغو الديمقراطية ، يقف بنفس الطريقة مجسدا لومومبا، لكنه لم يصبح ظاهرة عالمية ولم تنتشر صوره بالملايين إلا الآن ، في المغرب ، لماذا ؟
لأن المغرب ليس مجرد مضيف عادي لكأس إفريقيا ،
فملك المغرب هو الذي استضاف واحتضن الديكتاتور موبوتو [احد اهم خصوم لومومبا واحد اهم المتآمرين عليه] ، حيث عاش بقية حياته الى ان مات ودفن في المغرب، ولازال قبر الديكتاتور موبوتو هناك حتى اليوم شاهدا على هذا الاحتضان الشنيع، رغم ان المغرب في عهد الملك محمد الخامس ناصرت ودعمت حركات التحرر في افريقيا والعالم اجمع!!...
وبالنسبة لمصر التي دعمت ثورة الكونغو بقيادة باتريس لومومبا وارسلت قوات عسكرية لهناك بعد الاستقلال تحت مظلة الامم المتحدة، وهذا امر طبيعي في مصر عبدالناصر، ولم يقف الامر عند هذا الحد؛ كان الشاذلي وقواته هما "الجدار والسند" للومومبا وأنصاره لفترة طويلة.
لكن مالا يعرفه الكثيرون وقد يكون دليلنا على حجم هذه العلاقة ومدى هذا الترابط ان جمال عبدالناصر بعث بمحمد نسيم ذئب المخابرات الأسمر ، صاحب المهمات الدولية الخاصة، في مهمة إنقاذ باتريس لومومبا وعائلته، حيث استطاع تهريب زوجته و أولاده وتسليمهم الى سعد الدين الشاذلى العقيد في حينه وقائد الكتيبة المصرية في الكونغو لايصالهم إلى مصر، وهذا ماتم فعلا، حيث تم تهريب العائلة وتامين وصلولهم لمصر ، واقاموا لدى مصر عبد الناصر ونشأؤوا وترعرعوا في كنفه، لكن لم يكن لومومبا من بينهم، كان مشيئة القدر وحجم الغدر والمؤامرة اسبق واسرع اليه حتى حصل ما حصل وجرى ما جرى ؟!
وما شاعت انباء تصفية ومقتل لومومبا حتى جاء الرد الشعبي المصري سريعا؛ اذ هبت مظاهرات عارمة في القاهرة، واقتحمت الجماهير المصرية الغاضبة السفارة البلجيكية وحرقوها!
اما الرد الرسمي "الناصري" جاء باسلوب الانتقام البارد ؛
فالزعيم جمال عبد الناصر لم يكتفي بالرد الشعبي الذي احرق السفارة .. فاراد حاجة توجع البلجيكيين على طول العمر ، حاجة تفضل "شوكة" في حلقهم كل يوم.
فاصدر قرار جمهوري بتغيير اسم الشارع اللي فيه القنصلية فوراً واسماه شارع "باتريس لومومبا...
ببساطة، عبد الناصر أجبر الحكومة البلجيكية إنها تستذكر عارها وفعلتها المشينة بـ "لومومبا" في كل ورقة رسمية رغما عن انفها! وبقي "شبح" لومومبا يطاردهم في أكلهم وشربهم وشغلهم..
وبالنسبة للجزائر قبلة الثوار حسب التعبير الايقوني للزعيم اميلكال كابرال من غينيا بيساو الذي اطلقه عندما زار الجزائر في 1969 حيث قال مقولته المشهورة :” المسيحيون يحجون الى روما والمسلمون الى مكة والثوار الى الجزائر”.. فالجزائر التي عرفت باتريس لومومبا باكرا حفظت الجميل كعادتها وتحملت اوزارا واعباء كثيرة في سبيل عقيدتها تلك؛ فالجزائر الوفية وفي عهد هواري بومدين صانت العهد وحفظت الوعد وانتقمت لباتريس لوممبا باعتقال قاتله مويس تشومبي . ففي يونيو/حزيران 1967 اختطفت الطائرة التي تقل تشومبي وحولت وجهتها إلى الجزائر واودع في سجونها عقابا لاشتراكه باغتيال باتريس لومومبا، وبقي في سجونها حتى وفاته سنة 1969.
هذه المفارقات والاستطالات والامتدادات وتعدد الحكايات في سيرة باتريس لومومبا جعلت منه ايقونة واسطورة في تجلي وتناص واضح مع اسطورة جلجامش في رحلته المضنية في البحث عن الخلود...
فجلجامش في رحلة بحثه المضنية والشاقة عن الخلود كان في الحقيقة وفي قرارة نفسه يبحث عن الحكاية، وهو مالم يدركه إلاّ حين وجد الحكيم اوتنابشتم وسأله عن سر الخلود، إلا ان اوتنابشتم رغم مساعدته في ايجاد نبتة الخلود الا انه كان يعرف مآلات الحكاية، لذلك هو لم يمنحه عشبة الخلود في الحقيقة بقدر ما منحه الحكاية، والخلود هو الحكاية التي تبقى وان طال الزمن وهذا ما حصل مع لومومبا تماما.فالحياة، ليست إلا سلسلة من الحكايا التي لا تنتهي ؛ لكن ليس كل ما فيها يبقى؛ يبقى منها فقط ما يحدث فيك شيئا يمس روحك بالجنون...
يتبع...
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |