في الجزء الأول من رائعة دوستويفسكي – الجريمة والعقاب التركيز على شخصية راسكولنيكوف الطالب الفقير المنعزل يحق له تجاوز القوانين الأخلاقية

عزيز باكوش
2026 / 1 / 13

في الجزء الأول من رائعة دوستويفسكي – الجريمة والعقاب - الذي جاء في 384 صفحة من القطع المتوسط بترجمة مستنيرة لسامي الدروبي صادر عن المركز الثقافي العربي يركز دوستويفسكي على تقديم شخصية روديون راسكولنيكوف، الطالب الفقير المنعزل في بطرسبورغ، الذي يعيش حالة نفسية مضطربة ويعاني من ضيق مادي خانق. حيث يتبلور في ذهنه تصور فلسفي راديكالي يقوم على أن بعض البشر- الاستثنائيين-يحق لهم تجاوز القوانين الأخلاقية إذا كان ذلك في سبيل غاية يراها كبرى وذات أهمية وطنية وكونية. تتجسد هذه الفكرة في خطته لقتل المرابية العجوز أليونا إيفانوفنا، التي يراها مثل أي كائن انتهازي استغلالي محتكر وطفيلي يستغل حاجة الناس.
الجزء الأول جاء في 384 صفحة من القطع المتوسط بترجمة مستنيرة لسامي الدروبي صادر عن المركز الثقافي العربي
يمضي راسكولنيكوف في تنفيذ الجريمة ببرود ظاهري، لكن ملابسات جريمته الهادئة تقوده لقتل يقتل أخت المرابية ليزافيتا دون ان يخطط لذلك، عن غير قصد فتتعقّد الجريمة وتتحول من فعل محسوب إلى مأساة مضاعفة. بعد ذلك يدخل في حالة من الارتباك والحمّى والهلوسة، ويبدأ شعوره بالذنب والقلق في التفاقم. يلتقي بعدد من الشخصيات المؤثرة مثل صديقه رازوميخين، وعائلته (أمه وأخته دونيا)، كما تظهر ملامح التحقيق البوليسي دون اتهام مباشر. ينتهي الجزء الأول بتكريس الصراع المركزي في الرواية: صراع بين الفكرة العقلانية التي بررت الجريمة، والضمير الإنساني الذي يرفضها ويقود البطل إلى عذاب داخلي متصاعد.
على ظهر غلاف الرواية التي ترجم أجزاءها الأربعة سامي الدروبي نقرأ " يعتبر دوستويفسكي واحدا من أعظم كتاب الرواية، فأعماله تتميز بقدرة على السرد تشدّ القارئ، وبتعبيرها القوي عن دواخل النفس الإنسانية، وقد عبّر عن ذلك في عناوين رواياته التي تصف الإنسان في شتى مواقفه وتصرفاته: المقامر - المراهق - مذلون مهانون - الجريمة والعقاب - الأبله..."
وبالقدر نفسه تنهض رواية "الجريمة والعقاب" إحدى قمم الأعمال الأدبية ذات الأبعاد الإنسانية، إنها ذلك اللغز المفتوح على النفس الإنسانية، وما يدور في أعماقها. والمفتوح على قضايا الوجود والعذاب، والخير والشرّ والحب والجريمة والجنون والأهواء والمنفعة، والمرض".
إن شخصية راسكولنيكوف بطل الرواية هي محاولة فكرية وفلسفية عميقة الدلالة لفهم تعقيدات الشخصية الإنسانية. حيث يقدم الكاتب عددا من التفسيرات والتكهنات والاحتمالات والتمثلات مناقشا الدوافع والبواعث الكامنة في اللاوعي الإنساني والتي جعلت من راسكولنيكوف يتصرف بما يخالف المنطق.
والرواية في مجملها تطرح فكرة استحالة معرفة الإنسان. حيث يجبرنا الكاتب ليس على أن نتطلع إلى ما يكمن في نفوسنا فحسب بل وأن نعثر فيها على تلك الأهواء التي تعصف بأبطاله. وكيف أن النفس الإنسانية تحمل في آن أسمى المثل إلى جانب أحط الدناءات.. كيف أن الانسان يحمل في داخله قوة تنفيذ الجريمة ورغبة تحقيق العدالة."
في الصفحة 378 يقول راسكولينكوف " أنا لم أقتل كائنا إنسانيا، وإنما قتلت مبدأً. ولكن لئن قتلت المبدأ، فإنني لم أستطع أن أتخطاه، بل بقيت في الجهة التي كنت فيها. كل ما استطعت أن أفعله هو أنني قتلت. حتى إنني لم أعرف كيف أقتل... هو المبدأ، نعم هو المبدأ! لماذا كان هذا الغبي رازوميخين يهاجم الاشتراكيين منذ قليل؟ هؤلاء أناس عاملون جادون يهتمون «بسعادة البشر العامة الشاملة». لا، لا، لقد وهبت لي الحياة مرة واحدة إلى الأبد، ولن أعرف حياة أخرى. أريد أن أحيا البتة. أي عيب في هذا؟ أنا لم أزد على أن رفضت أن أمر بأم جائعة، قابضاً على قروشي في جيبي، منتظراً تحقق السعادة العامة الشاملة! «لقد حملت حجري إلى المبنى الذي يشاد لتحقق السعادة العامة الشاملة، ومن ذلك أستمد طمأنينة القلب وسكينة النفس!».
ثم يضيف محدثا نفسه متسائلا في سخرية “هأ! لماذا نسيتموني؟ أنا ليس لي إلا حياة واحدة، وإني لأريد أن أحياها! آه... ما أنا إلا قملة محشوة بأفكار فنية. ذلك أنا. ولست شيئاً آخر. " وأضاف يقول فجأة وهو ينفجر في ضحك كضحك المجانين نعم، أنا قملة فعلا تابع يقول بفرح خبيث أولا لأنني أفكر كما أفكر في هذه اللحظة مستدلا على أنني قملة؛ وثانياً لأنني لبثت شهرا بكامله أزعج العناية الإلهية، وأشدها على أنني لم أقرر أن أفعل ما فعلت عن هوى مني بل في سبيل غاية عظيمة وهدف كبير.. "
هأ هأ هأ، وثالثاً لأنني قررت أن أسلك إلى فعلتي كل العدالة الممكنة، فراعيت في تنفيذها الوزن والقياس والحساب ألم أختر من بين جميع قمل الكون قملة هي أقل القمل جدوى؟ وحين قتلتها، لم أكن أنوي أن لا آخذ منها إلا ما كنت في حاجة إليه لأخطو خطواتي الأولى (ثم يذهب الباقي إلى الدير تنفيذاً لوصيتها، هأ هأ هأ؟) . نعم، أنا قملة قطعاً (هذا ما أضافه إلى قوله وهو يصرف بأسنانه)، بل لعلني أحقر من قملة، وأبعث على الاشمئزاز من قملة مسحوقة، لأنني كنت أعلم لا «سلفاً»، كنت أتنبأ سلفاً بأنني بعد قتلها سأقول لنفسي هذا الكلام! هل في العالم كله شيء يمكن أن يقارن بفظاعة كهذه الفظاعة؟ يا للصغار! يا للجبن! ألا إنني لأفهم أعمق الفهم ذلك النبي الممتطى صهوة جواده، المشهر سيفه، القائل: الله يريد هذا، فأطع واخضع أيها المخلوق «المرتعش»! لقد كان على حق، كان على حق تماما، ذلك النبي، الذي صف المدافع في عرض الشارع وأمر بإطلاق القذائف"
ومن الجزء الأول من روايته الخالدة نقتبس هذه الالتماعات: - كان فقيرا إلى حدّ لم يعد معه الفقر عارًا، بل حالة وجود - إنه يهرب من الناس، لا خوفا منهم، بل من نفسه - الفكرة التي استبدّت به كانت أثقل من أن تُحتمل- هناك أناس يُسمح لهم بما لا يُسمح لغيرهم… فهل أنا منهم؟ - كان يدرك الشر، لكنه كان يبحث له عن تبرير - كل خطوة كانت تقرّبه من فعل لا رجعة فيه.- إن الفقر لا يقتل الجسد فقط، بل يرهق الروح ويشوّه التفكير - كان يسأل: أأنا إنسان عادي أم استثناء؟- كان يسير كمن يحمل في صدره ليلًا كاملًا، وكلما اقترب من الناس ازداد ظله كثافة- لم تكن الفكرة مجرّد خاطرٍ عابر، بل قدرًا داخليًا يضغط على الروح كما تضغط السماء على صدر مدينة خانقة - كان يعرف أن الطريق مظلم، لكنه كان مأخوذًا بسحر الهاوية أكثر من خوفه منها- سأل نفسه لا عن الجريمة، بل عن الحق في ارتكابها- هل يُولد بعض البشر بعلامة الاستثناء؟ - في أعماقه كان يسمع صراعًا صامتًا صوت الرحمة يخفت، وصوت التبرير يعلو- لم يكن الفقر عنده ضيقًا في العيش فقط، بل تضييقًا في الروح، وخنقًا للأفكار حتى تنحرف - كان يشعر أن العالم انقسم إلى قسمين بشرٌ يسيرون وفق القانون، وآخرون يُغريهم أن يكتبوا قانونهم بدمهم -كل خطوة لم تكن تقرّبه من الفعل فحسب، بل تُبعده عن نفسه القديمة -لم يعد يرى في الجريمة سقوطًا أخلاقيًا، بل تجربة فكرية يريد بها امتحان وجود -كان يسير نحو مصيره لا كقاتل، بل كفكرة تمشي على قدمين.
فاس عزيز باكوش يناير 2026

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن